كانَ ثلاثةُ نفرٍ يمشونَ في غِبِّ السَّماءِ إذ مرُّوا بغارٍ فقالوا لو أَويتُم إلى هذا الغارِ فأوَوْا إليهِ فبينما هم فيهِ إذ وقعَ حجَرٌ منَ الجبلِ مِمَّا يهبِطُ من خشيةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ حتَّى إذا سدَّ الغارَ فقالَ بعضُهم لبعضٍ إنَّكم لن تجدوا شيئًا خيرًا من أن يدعوَ كلُّ امرئٍ منكم بخيرِ عملٍ عملَهُ قطُّ فقالَ أحدُهمُ اللَّهمَّ كنتُ رجلًا زرَّاعًا وكانَ لي أُجراءُ وكانَ فيهم رجلٌ يعملُ بعملِ رجلينِ فأعطيتُهُ أجرَهُ كما أعطيتُ الأجراءَ فقالَ أعملُ عملَ رجلينِ وتعطيني أجرَ رجُلٍ واحدٍ فانطلقَ وغضِبَ وتركَ أجرَهُ عندي فبذرتُهُ على حِدَةٍ فأضعَفَ ثمَّ بذرتُهُ فأضعفَ حتَّى كثرَ الطَّعامُ فكانَ أكداسًا فاحتاجَ الرَّجلُ فأتاني يسألُني أجرَهُ فقلتُ انطلق إلى تلكَ الأكداسِ فإنَّها أجرُكَ فقالَ تكلِّمُني وتسخرُ بي قلتُ ما أسخرُ بكَ فانطلقَ فأخذها اللَّهمَّ إن كنتَ تعلمُ أنِّي فعلتُ ذلكَ من خشيتِكَ وابتغاءَ وجهكَ فاكشِفْهُ عنَّا فقالَ الحجرُ قَضْ فأبصروا الضَّوءَ فقالَ الآخرُ اللَّهمَّ راودتُ امرأةً عن نفسِها وأعطيتُها مائةَ دينارٍ فلمَّا أمكنَتني من نفسِها بكت فقلتُ ما يُبكيكِ قالت فعلتُ هذا منَ الحاجةِ فقلتُ انطلِقي ولكِ المائةُ فتركتُها اللَّهمَّ إن كنتَ تعلمُ أنِّي إنَّما فعلتُ ذلكَ من خشيتِكَ وابتغاءَ وجهكَ فاكشِفْهُ عنَّا فقالَ الحجرُ قَضْ فانفرَجت منهُ فُرجةٌ عظيمةٌ فقالَ الآخرُ اللَّهمَّ كانَ لي أبوانِ كبيرانِ وكانَ لي غنمٌ فكنتُ آتيهما بلَبنٍ كلَّ ليلةٍ فأبطأتُ عنهما ذاتَ ليلةٍ حتَّى ناما فجئتُ فوجدتُهُما نائمينِ فكرهتُ أن أوقظَهما وكرهتُ أن أنطلِقَ فيستيقظانِ فقمتُ بالإناءِ على رؤوسِهما حتَّى أصبحتُ اللَّهمَّ إن كنتَ تعلمُ أنِّي إنَّما فعلتُ ذلكَ من خشيتِكَ وابتغاءَ وجهِكَ فاكشِفْهُ فقالَ الحجرُ قَضْ فانكشفَت عنهم فخرجوا يمشون

الدلالات الموضوعية:# إجارة - ترك الأجير أجرته وتصرف المؤجر فيها# بر وصلة - بر الوالدين وحقهما# آداب الدعاء - الدعاء بالأعمال الصالحة# آداب الدعاء - قبول دعاء المسلم
المصدر: الصحيح المسند
الراوي: النعمان بن بشير
المحدث: الوادعي
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه أبو يعلى كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (6/452)، وأبو عوانة في ((المسند)) (3/428) مختصراً، والطبراني (21/129) (159) واللفظ له

الشرح والتوضيح

الأعمالُ الصَّالحةُ سَبَبٌ في تَفريجِ الكُرُباتِ وتَيسيرِ العَسيرِ؛ فعَلى المَرءِ أن يُكثِرَ مِنَ الأعمالِ الصَّالحةِ ويَجعَلَها خالصةً لوَجهِ اللهِ تعالى؛ فقد تَنفَعُه إذا وقَعَ في ضيقٍ وشِدَّةٍ، فيَتَوسَّلُ للهِ تعالى بهذا العَمَلِ الصَّالحِ، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقِصَّةِ أصحابِ الغارِ الذينَ انطَبَقَت عليهم صَخرةٌ وهم في الغارِ، وسَألوا اللهَ أن يُنجيَهم بخالِصِ أعمالِهم، فقال: كان ثَلاثةُ نَفَرِ، والنَّفَرُ همُ الجَماعةُ مِنَ الرِّجالِ ما بَينَ الثَّلاثةِ إلى العَشرةِ، يَمشونَ في غِبِّ السَّماءِ.

وغِبُّ الشَّيءِ: عاقِبَتُه وآخِرُه.

والسَّماءُ: المَطَرُ.

والمَعنى: يَمشونَ في أواخِرِ المَطَرِ، فمَرُّوا بغارٍ.

وهو ما يَكونُ في الجَبَلِ يَدخُلُه النَّاسُ فيَبيتونَ فيه، فقالوا: لو أويتُم إلى هذا الغارِ، أي: قال بَعضُهم لبَعضٍ: لَو ذَهَبنا ودَخَلنا هذا الغارَ وجَلَسْنا فيه حتَّى يَتَوقَّفَ المَطَرُ، فأَوَوا إليه، أي: ذَهَبوا ودَخَلوه، فبَينَما هم فيه إذ وقَعَ حَجَرٌ مِنَ الجَبَلِ مِمَّا يَهبِطُ مِن خَشيةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، حتَّى إذا سَدَّ الغارَ، أي: أطبَقَ عليهم بابَ الغارِ، فقال بَعضُهم لبَعضٍ: إنَّكُم لَن تَجِدوا شَيئًا خَيرًا مِن أن يَدعوَ كُلُّ امرِئٍ مِنكُم بخَيرِ عَمَلٍ عَمِلَه قَطُّ، أي: إنَّه لا سَبيلَ للنَّجاةِ مِن هذا المَكانِ، فلَن يَسمَعَنا أحَدٌ مِنَ النَّاسِ ولَن يَدروا أينَ نَحنُ، ولَن يُخَلِّصَنا مِنه إلَّا أن نَدعوَ اللهَ تعالى بخَيرِ عَمَلٍ عَمِلْناه.

فقال أحَدُهم: اللَّهُمَّ كُنتُ رَجُلًا زَرَّاعًا، أي: صاحِبَ زَرعٍ، وكان لي أُجَراءُ، أي: عُمَّالٌ يَعمَلونَ عِندي، وكان فيهم رَجُلٌ يَعمَلُ بعَمَلِ رَجُلَينِ فأعطَيتُه أجرَه كما أعطَيتُ الأُجَراءَ، أي: مِثلَ بَقيَّةِ أجرِ العُمَّالِ، فقال: أعمَلُ عَمَلَ رَجُلَينِ وتُعطيني أجرَ رَجُلٍ واحِدٍ! أي: أنَّه اعتَرَضَ على صاحِبِ العَمَلِ عِندَما أعطاه أُجرةَ عامِلٍ واحِدٍ، وهو يَعمَلُ عَمَلَ رَجُلَينِ، فانطَلَقَ وغَضِبَ وتَرَكَ أجرَه عِندي، فبَذَرتُه على حِدةٍ، أي: بمُفرَدِه، فأضعَفَ، أي: تَضاعَفَ البَذرُ وكَثُرَ، ثُمَّ بَذَرتُه مَرَّةً ثانيةً فأضعَفَ حتَّى كَثُرَ الطَّعامُ، فكان أكداسًا.

وهو المُجتَمِعُ مِن كُلِّ شَيءٍ، نَحوُ الحَبِّ المَحصودِ والتَّمرِ والدَّراهِمِ وغَيرِ ذلك.

ثُمَّ إنَّ هذا العامِلَ احتاجَ فأتاني يَسألُني أجرَه.

فقُلت: انطَلِقْ إلى تلك الأكداسِ فإنَّها أجرُك، أي: جَميعُها لَك.

فقال الرَّجُلُ: تُكَلِّمُني وتَسخَرُ بي! أي: أنَّه لَم يُصَدِّقْ أنَّ تلك المَحاصيلَ له، فظَنَّ أنَّ الرَّجُلَ يَسخَرُ به.

فقال له صاحِبُ الزَّرعِ: ما أسخَرُ بك، أي: هذا الزَّرعُ لَك حَقيقةً وأنا لا أسخَرُ بك.

فانطَلَقَ العامِلُ فأخَذَها.

اللَّهُمَّ إن كُنتَ تَعلَمُ أنِّي فعَلتُ ذلك مِن خَشيَتِك، أي: خَوفًا مِنك، وابتِغاءَ وَجهِك، أي: طَلَبًا لرِضاك، فاكشِفْه عنَّا، أي: اكشِفْ عنَّا ما نَحنُ فيه، فقال الحَجَرُ: قِضْ.

وأصلُه: حِكايةُ صَوتِ الرُّكبةِ.

والمُرادُ هنا: حِكايةُ صَوتِ تَحَرُّكِ الحَجَرِ، أي: أنَّ الحَجَرَ تَحَرَّكَ قَليلًا حتَّى أبصَروا الضَّوءَ.

ولَكِنَّهم لا يَستَطيعونَ الخُروجَ.

فقال الرَّجُلُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ راودتُ امرَأةً عن نَفسِها، أي: حاولتُ مَعَها أن أزنيَ بها وأعطَيتُها مِائةَ دينارٍ، فلَمَّا أمكَنَتني مِن نَفسِها، أي: سَلَّمَت له نَفسَها وصارَ مُتَمَكِّنًا مِنها كجُلوسِ الرَّجُلِ مِنِ امرَأتِه، بَكَتِ المَرأةُ.

فقُلتُ لَها: ما يُبكيكِ؟ أي: ما سَبَبُ بُكائِك؟ فقالت: فعَلتُ هذا مِنَ الحاجةِ، أي: أنَّني لَم أزْنِ قَطُّ، وإنَّما فعَلتُه مِن حاجةٍ ألَمَّت بي.

فقال لَها الرَّجُلُ: انطَلقي ولَك المِائةُ، وتَرَكَها ولَم يَزْنِ بها.

اللَّهُمَّ إن كُنتَ تَعلَمُ أنِّي إنَّما فعَلتُ ذلك مِن خَشيَتِك، أي: خَوفًا مِنك وابتِغاءَ وَجهِك، أي: طَلَبًا لرِضاك، فاكشِفْه عنَّا، أي: اكشِفْ عنَّا ما نَحنُ فيه.

فقال الحَجَرُ: قِضْ، أي: أنَّ الحَجَرَ تَحَرَّكَ قَليلًا، حتَّى انفرَجَت مِنه فُرجةٌ عَظيمةٌ.

فقال الثَّالِثُ: اللهُمَّ كان لي أبَوانِ كَبيرانِ وكان لي غَنَمٌ، فكُنتُ آتيهما بلَبَنٍ كُلَّ لَيلةٍ، أي: حتَّى يَشرَبا قَبلَ أن يَناما، فأبطَأتُ، أي: تَأخَّرتُ عنهما ذاتَ لَيلةٍ، حتَّى ناما، فجِئتُ فوجَدتُهما نائِمَينِ فكَرِهتُ أن أوقِظَهما، وكَرِهتُ أن أنطَلِقَ، أي: أذهَبَ، فيَستَيقِظانِ، فقُمتُ بالإناءِ على رؤوسِهما، أي: ظَلَّ بالإناءِ عِندَهما طَوالَ اللَّيلِ، حتَّى أصبَحتُ، اللَّهُمَّ إن كُنتَ تَعلَمُ أنِّي إنَّما فعَلتُ ذلك مِن خَشيَتِك وابتِغاءَ وَجهِك فاكشِفْه، فقال الحَجَرُ: قِضْ، أي: أنَّ الحَجَرَ تَحَرَّكَ قَليلًا حتَّى انكَشَفَت عنهمُ الصَّخرةُ، فخَرَجوا يَمشونَ! وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ التَّوسُّلِ إلى اللهِ تعالى بالعَمَلِ الصَّالحِ.

وفيه أنَّ العَمَلَ الصَّالحَ مِن أسبابِ تَفريجِ الكُرُباتِ.

وفيه وُقوعُ البَلاءِ للمَرءِ.

وفيه فضلُ العَمَلِ الصَّالحِ.

وفيه فَضلُ الإخلاصِ في العِبادةِ.

وفيه فَضلُ أداءِ الحُقوقِ.

وفيه فَضلُ العِفَّةِ والخَوفِ مِنَ اللهِ تعالى.

وفيه فَضلُ بِرِّ الوالدَينِ .

الأصول والأحكام

[إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة] (6/ 452) :

6187 / 1 - قال أبو يعلى الموصلي: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا ابن أبي عبيدة، ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان ثلاثة يمشون في غب سماء ‌إذ ‌مروا ‌بغار، قال: فقالوا: لو أويتم إلى هذا الغار، فأووا إليه، فبينا هم فيه إذ وقع عليهم حجر من الجبل حتى سد الغار، فقال بعضهم لبعض: إنكم لن تجدوا شيئا خيرا من أن يدعو كل امرئ بخير عمله … " وذكر الحديث إلى آخره "فانكشف عنهم فخرجوا يمشون".

مسند أبي عوانة (3/ 428) 5579 حدثنا محمد بن علي بن داود قثنا إبراهيم بن عرعرة قثنا ابن أبي عبيدة ثنا أبي ح

وحدثنا الصائغ بمكة ثنا العباس العنبري ثنا محمد بن أبي عبيدة ح وحدثنا أبو شيبة قثنا ابن أبي عبيدة عن أبيه عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( كان ثلاثة نفر يمشون في أرض تحت سماء إذ مروا بغار )

المعجم الكبير (21/ 129) 159- حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل ، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا محمد بن أبي عبيدة ، حدثنا أبي عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل ، عن النعمان بن بشير ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان ثلاثة نفر يمشون في غب السماء إذ مروا بغار فقالوا : لو أويتم إلى هذا الغار .

فأووا إليه فبينما هم فيه إذ وقع حجر من الجبل مما يهبط من خشية الله حتى سد الغار فقال بعضهم لبعض : إنكم لن تجدوا شيئا خيرا من أن يدعو كل امرىء منكم بخير عمل عمله قط فقال أحدهم : اللهم كنت رجلا زراعا وكان لي أجراء فكان فيهم رجل يعمل عمل رجلين فأعطيته أجره كما أعطيت الأجراء فقال : أعمل عمل رجلين وتعطيني عمل رجل واحد ؟! فانطلق فغضب وترك أجره عندي فبذرته على حدته فأضعف ثم بذرته فأضعف حتى كثر الطعام فكان أكداسا فاحتاج الرجل فأتاني يسألني أجره فقلت : انطلق إلى تلك الأكداس فإنها أجرك .

فقال : تظلمني وتسخر بي ؟! قلت : ما أسخر بك .

فانطلق فأخذها .

اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك وابتغاء وجهك فاكشف عنا .

فقال الحجر : قض.

فأبصروا الضوء.

أحاديث ذات صلة