كانَ حُذَيْفةُ بالمَدائِنِ فكانَ يَذكُرُ أشْياءَ قالَها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ لأناسٍ مِن أصْحابِه في الغَضَبِ، فيَنْطلِقُ ناسٌ مِمَّن سَمِعَ ذلك مِن حُذَيْفةَ، فيَأتونَ سَلْمانَ، فيَذكُرونَ له قَوْلَ حُذَيْفةَ، فيقولُ سَلْمانُ: حُذَيْفةُ أَعلَمُ بما يقولُ، فيَرجِعونَ إلى حُذَيْفةَ فيَقولونَ له: قد ذَكَرْنا قَوْلَك لسَلْمانَ، فما صَدَّقَك ولا كَذَّبَك، فأتى حُذَيْفةُ سَلْمانَ وهو في مِبقَلةٍ، فقالَ: يا سَلْمانُ، ما يَمنَعُك أن تُصَدِّقَني بما سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ؟ فقالَ سَلْمانُ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ كانَ يَغضَبُ فيَقولُ في الغَضَبِ لناسٍ مِن أصْحابِه، ويَرْضى فيَقولُ في الرِّضا لناسٍ مِن أصْحابِه، أَمَا تَنْتَهي حتَّى تورِثَ رِجالًا حُبَّ رِجالٍ، ورِجالًا بُغْضَ رِجالٍ؟ وحتَّى تُوقِعَ اخْتِلافًا وفُرْقةً؟ ولقد عَلِمْتَ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ خَطَبَ فقالَ: «أيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي سَبَبْتُه سُبَّةً أو لَعَنْتُه لَعْنةً في غَضَبي فإنَّما أنا مِن وَلَدِ آدَمَ؛ أَغضَبُ كما يَغضَبونَ، وإنَّما بَعَثَني رَحْمةً للعالَمينَ، فاجْعَلْها عليهم صَلاةً يَوْمَ القِيامةِ» واللهِ لَتَنْتَهِيَنَّ أو لَأَكْتُبَنَّ إلى عُمَرَ.
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَشَرٌ يَقَعُ مِنه ما يَقَعُ مِن بَقيَّةِ البَشَرِ مِنَ الغَضَبِ والحُزنِ والفرَحِ وغَيرِ ذلك مِن أحوالِ النَّاسِ، ولَكِن لَمَّا كان نَبيًّا يَقومُ بدَعوةِ النَّاسِ للدِّينِ وتَعليمِهم وإرشادِهم، والنَّاسُ يَجتَمِعونَ حَولَه ويَقصِدونَه في أكثَرِ الأوقاتِ؛ مِمَّا يُؤَدِّي أنَّه قد يَسُبُّ شَخصًا أو يَضرِبُه لسَبَبٍ ما؛ فلهذا دَعا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَبَّه فقال: اللهُمَّ إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغضَبُ كما يَغضَبُ البَشَرُ، وإنِّي قدِ اتَّخَذتُ عِندَك عَهدًا لَن تُخلِفَنيه، فأيُّما مُؤمِنٍ آذَيتُه أو سَبَبتُه أو جَلَدْتُه، فاجعَلْها له كَفَّارةً، وقُربةً تُقَرِّبُه بها إليك يَومَ القيامةِ؛ ولهذا كان سَلمانُ الفارِسيُّ رَضِيَ اللهُ عنه لا يَرى أن يُحَدِّثَ النَّاسَ بكُلِّ ما قاله رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كُلِّ أحوالِه؛ فقد جاءَ أنَّ حُذَيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه كان بالمَدائِنِ، وهيَ عاصِمةُ الفُرسِ، افتَتَحَها المُسلمونَ في عَهدِ الخَليفةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه في السَّنةِ السَّادِسةَ عَشَرةَ للهِجرةِ، وولَّى عُمَرُ عليها حُذَيفةَ، فكان يَذكُرُ للنَّاسِ ويُحَدِّثُهم بأشياءَ قالها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأُناسٍ مِن أصحابِه في الغَضَبِ، أي: يَروي لَهم ما قاله رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَضَبِه لأولئك النَّاسِ، فيَنطَلِقُ ناسٌ مِمَّن سَمِعَ ذلك مِن حُذَيفةَ، فيَأتونَ سَلمانَ الفارِسيَّ، فيَذكُرونَ له قَولَ حُذَيفةَ، أي: يُخبرونَه بتلك الأحاديثِ التي قالها حُذَيفةُ.
فيَقولُ سَلمانُ: حُذَيفةُ أعلَمُ بما يَقولُ! أي: لا يُقِرُّه على ذلك ولا يَمنَعُه مِنَ الكَلامِ، وهذا مِن ورَعِ سَلمانَ مِن أن يُخطِّئَ حُذَيفةَ بما حَدَّثَ به بَينَ النَّاسِ، فيِرجِعُ أولئك النَّاسُ إلى حُذَيفةَ فيَقولونَ له: قد ذَكَرْنا قَولَك لسَلمانَ، فما صَدَّقَك ولا كَذَّبَك! أي: أنَّه سَكَتَ عن تَصديقِ قَولِك وتَكذيبِه، فذَهَب حُذَيفةُ إلى سَلمانَ وهو في مَبقَلةٍ.
وهو المَوضِعُ يَنبُتُ فيه البَقلُ، وهو كُلُّ نَباتٍ اخضَرَّ به الأرضُ.
فقال: يا سَلمانُ، ما يَمنَعُك أن تُصَدِّقَني بما سَمِعتُ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ أي: ما سَبَبُ عَدَمِ تَصديقِك لي بما أُحَدِّثُ به النَّاسَ مِنَ الأحاديثِ؟ فقال سَلمانُ: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَغضَبُ فيَقولُ في الغَضَبِ لناسٍ مِن أصحابِه، أي: كان يَحصُلُ له الغَضَبُ، فيَقولُ في حالِ غَضَبِه لأُناسٍ مِن أصحابِه بما يَحصُلُ به الزَّجرُ والرَّدعُ على سَبيلِ التَّأديبِ لَهم، ويَرضى فيَقولُ في الرِّضا لناسٍ مِن أصحابِه، أي: مِمَّن وقَعَ مِنه تَقصيرٌ، والمَعنى: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانت له أحوالٌ مُختَلفةٌ في الحَديثِ؛ فقد يُحَدِّثُ أقوامًا في وقتِ الرِّضا بكَلامٍ فيه مَدحٌ لَهم لأُمورٍ يَستَحِقُّونَها، ويُحَدِّثُ آخَرينَ في وقتِ الغَضَبِ بكَلامٍ فيه ذَمٌّ لَهم لأُمورٍ يَستَحِقُّونَ عليها الذَّمَّ.
أمَا تَنتَهي، أي: ألَا تَمتَنِعُ، عن هذا الكَلامِ حتَّى تورِثَ رِجالًا مِن أصحابِك حُبَّ رِجالٍ لَيسوا بمَرضيِّينَ، وتورِثَ رِجالًا مِن أصحابِك بُغضَ رِجالٍ مَرضيِّينَ، وحتَّى توقِعَ بَينَ أصحابِك اختِلافًا وفُرقةً؟! أي: مِنِ اختِلافِ كَلمَتِهم، وتَشَعُّبِ أهَويَتِهم.
والمَعنى: حتَّى تُدخِلَ في قُلوبِ بَعضِ الرِّجالِ مَحَبَّةَ بَعضِ الرِّجالِ، وفي قُلوبِ بَعضِهم بُغضَ بَعضِهم.
ولَقد عَلِمتَ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَطَبَ فقال: أيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي سَبَبتُه سبَّةً أو لَعنتُه لَعنةً في غَضَبي، أي: بسَبَبِ قَولٍ أو فِعلٍ أغضَبَني مِنه، فإنَّما أنا مِن ولَدِ آدَمَ؛ أغضَبُ كما يَغضَبونَ، وإنَّما بَعَثَني رَحمةً للعالَمينَ، فاجعَلْها عليهم صَلاةً يَومَ القيامةِ، أي: رَحمةً، والمَعنى: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا عَلمَ أنَّه مِن بَني آدَمَ قد يُصيبُه ما يُصيبُهم دَعا رَبَّه أن يَجعَلَ سَبَّه أو لَعنَه رَحمةً لَهم يَومَ القيامةِ.
ثُمَّ حَذَّرَ سَلمانُ حُذَيفةَ وقال له: واللهِ لتَنتَهِيَنَّ أو لأكتُبَنَّ إلى عُمَرَ، أي: لتَترُكَنَّ تَحديثَ النَّاسِ بهذه الأحاديثِ أو لأكتُبَنَّ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو الخَليفةُ، بأمرِك هذا، وكان عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه يُشَدِّدُ على الصَّحابةِ في كَثرةِ الرِّوايةِ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وخاصَّةً بَينَ العَوَّامِ وفي السَّفَرِ والمَغازي؛ لأنَّ كَثيرًا مِنَ النَّاسِ لا يَفقَهُ الحَديثَ لقُربِ عَهدِه بالإسلامِ، فرُبَّما وقَعَ لأحَدِهم فِتنةٌ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَشَرٌ يَقَعُ مِنه ما يَقَعُ مِنهم.
وفيه مَشروعيَّةُ الرُّجوعِ في المَسألةِ أوِ الحَديثِ إلى أكثَرَ مِن عالِمٍ.
وفيه مُراعاةُ أحوالِ النَّاسِ ومَعرِفةُ ما يُحَدَّثونَ مِنَ الأحاديثِ.
وفيه سُؤالُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَبَّه بأن يَجعَلَ ما دَعا به على أقوامٍ صَلاةً ورَحمةً لهم يَومَ القيامةِ.
وفيه تَذكيرُ الصَّحابةِ بَعضِهم لبَعضٍ إذا ظَهَرَ مِن أحَدِهم خِلافُ الأَولى .