إنَّا أخَذْنا هذا القُرْآنَ عن قَومٍ أخْبَرونا أنَّهم كانوا إذا تَعلَّموا عَشْرَ آياتٍ لم يُجاوِزوهنَّ إلى العَشْرِ الأُخَرِ حتى يَعلَموا ما فيهنَّ، فكُنا نتعلَّمُ القُرْآنَ، والعَمَلَ به، وإنَّه سيَرِثُ القُرْآنَ بعدَنا قَومٌ لَيَشرَبونَه شُربَ الماءِ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم، بل لا يُجاوِزُ هاهنا، ووَضَعَ يَدَه على الحَلْقِ.
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (6/ 212)، وابن وضاح في ((البدع والنهي عنها)) (255)، والفريابي في ((فضائل القرآن)) (169) واللفظ لهم.
لَقد حَرَصَ الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم على تَعَلُّمِ أحكامِ الدِّينِ، وذلك مِن خِلالِ تَعَلُّمِ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ عِندَ نُزولِه، وكان مِن طَريقةِ تَعَلُّمِهم للقُرآنِ أنَّهم كانوا يَتَعَلَّمونَه شَيئًا فشَيئًا، وآيةً آيةً، وقد أخبَرَ عبدُ اللهِ بنُ حَبيبٍ السُّلَميُّ، وهو أحَدُ أئِمَّةِ التَّابعينَ عن طَريقةِ الصَّحابةِ في تَعَلُّمِ القُرآنِ، وكَيف أنَّه سَيَأتي مَن يَعكِسُ طَريقَتَهم، فقال: إنَّا أخَذْنا هذا القُرآنَ عن قَومٍ.
وهمُ الصَّحابةُ، أخبَرونا أنَّهم كانوا إذا تَعَلَّموا عَشرَ آياتٍ مِنَ القُرآنِ لَم يُجاوِزوهنَّ، أي: لا يَتَعَدَّونَها إلى العَشرِ الأُخَرِ حتَّى يَعلَموا ما فيهنَّ، أي: حتَّى يَتَعَلَّموا ما فيها مِنَ المَعاني والأحكامِ، ثُمَّ يَعمَلوا بها ويُطَبِّقوها في واقِعِهم، ثُمَّ بَعدَ ذلك يَنتَقِلونَ إلى تَعَلُّمِ آياتٍ أُخرى، حتَّى تَعلَّموا القُرآنَ، والعَمَلَ به معًا.
وإنَّه سَيَرِثُ القُرآنَ بَعدَنا، أي: بَعدَ جيلِ وعَصرِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، قَومٌ لَيَشرَبوه شُربَ الماءِ، أي: يقرؤونه أو يَحفظونَه سَريعًا، لا يُجاوِزُ تراقيَهم.
والتَّراقي: جَمعُ تَرقوةٍ، وهيَ العِظامُ بَينَ ثُغرةِ النَّحرِ والعاتِقِ، والمَعنى: لا يَخلُصُ عن ألسِنَتِهم وآذانِهم إلى قُلوبهم، أي: أنَّ قِراءَتَهم لا يَرفعُها اللهُ ولا يَقبَلُها، فكَأنَّها لَم تَتَجاوَزْ حُلوقَهم.
وقيلَ المَعنى: أنَّهم لا يَعمَلونَ بالقُرآنِ ولا يثابون على قِراءَتِه، فلا يَحصُلُ لَهم غَيرُ القِراءةِ.
بَل لا يُجاوِزُ، أي: لا يَتَعَدَّى، هاهنا، ووَضَع عبدُ اللهِ بنُ حَبيبٍ يَدَه على الحَلقِ، أي: أنَّ قِراءَتَهم لا تَتَجاوزُ الحَلقَ.
وفي الحَديثِ حِرصُ الصَّحابةِ على تَعَلُّمِ القُرآنِ الكَريمِ.
وفيه بَيانُ طَريقةِ الصَّحابةِ في تَعَلُّمِهم للقُرآنِ.
وفيه الحَثُّ على مَعرِفةِ مَعاني القُرآنِ والعَمَلِ بها.
وفيه خُطورةُ تَعَلُّمِ القُرآنِ وقِراءَتِه بدونِ تَفهُّمٍ لمَعانيه وعَدَمِ عَمَلٍ به .