أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ أمرَ النَّاسَ بالفطرِ عامَ الفتحِ وقالَ تقوَّوا لعدوِّكم وصامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ قالَ أبو بكرٍ قالَ الَّذي حدَّثني لقد رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ بالعَرْجِ يصبُّ على رأسِهِ الماءَ منَ العطشِ - أو منَ الحرِّ - ثمَّ قيلَ يا رسولَ اللَّهِ إنَّ طائفةً منَ النَّاسِ قد صاموا حينَ صُمتَ فلمَّا كانَ بالكَدِيدِ دعا بقدَحٍ فشرِبَ فأفطرَ النَّاسُ
هذه الشَّريعةُ شَريعةُ التَّيسيرِ والتَّخفيفِ، ومِن تَيسيرِها أن رُخِّصَ للمُسافِرِ أن يُفطِرَ في رَمَضانَ، حتَّى يَتَقَوَّى على سَفَرِه؛ فإنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ، لا سيَّما إذا كان السَّفَرُ في الجِهادِ والحَربِ فيَتَأكَّدُ في حَقِّه الفِطرُ حتَّى يَتَقَوَّى على مُقاتَلةِ العَدوِّ؛ فالمُجاهِدُ يَحتاجُ إلى مَزيدِ قُوَّةٍ، والصَّومُ يُضعِفُه؛ ولهذا لمَّا خَرَجَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَ الصَّحابةِ لفَتحِ مَكَّةَ في رَمَضانَ في السَّنةِ الثَّامِنةِ للهجرةِ، أمَر النَّاسَ بالفِطرِ، وقال لَهم: تَقَوَّوا لعَدوِّكُم، أي: أفطِروا حتَّى تَتَقَوَّوا بذلك على قِتالِ العَدوِّ، أمَّا هو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقد صامَ؛ وذلك لأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليس مِثلَ بَقيَّةِ الصَّحابةِ، فهو عِندَه مِنَ القُوَّةِ والتَّحَمُّلِ ما ليس عِندَ أصحابِه، فلا يُخشى عليه الضَّعفُ مِنَ الصَّومِ، بَل يَزيدُه قُوَّةً ونَشاطًا، ثُمَّ أخبَرَ أبو بكرٍ -وهو أبو بكرِ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ، أحَدُ التَّابِعينَ الذينَ رَووا هذا الحَديثَ- فقال: قال الذي حَدَّثَني.
يَقصِدُ الصَّحابيَّ الذي حَدَّثَه بذلك: فلَقد رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالعَرجِ -وهو وادٍ مِن أوديةِ الحِجازِ على طَريقِ الحُجَّاجِ مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ، جَنوبَ المَدينةِ على بُعدِ 113 كم- يَصُبُّ على رَأسِه الماءَ مِنَ العَطَشِ أو مِنَ الحَرِّ.
وذلك شَكٌّ مِنَ الرَّاوي، هَل قال مِنَ العَطَشِ أو مِنَ الحَرِّ.
وإنَّما فَعَل ذلك ليَتَقَوَّى بذلك على صَومِه وليُخَفِّفَ عن نَفسِه بَعضَ ألَمِ الحَرِّ أوِ العَطَشِ.
ثُمَّ قيلَ لرَسولِ اللهِ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ طائِفةً، أي: جَماعةً مِنَ النَّاسِ، قد صاموا حينَ صُمتَ، أي: أنَّهم لَمَّا رَأوك لَم تُفطِرْ بَل صُمتَ، فعَلوا مِثلَك فصاموا.
فلَمَّا كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالكَدِيدِ -وهو أرضٌ بَينَ عُسْفانَ وأمَجَ، ويُسَمَّى الآنَ خليصًا، ويُعرَفُ الكَدِيدُ اليَومَ باسِم الحَمضِ- دَعا بقَدَحٍ، أي: إناءٍ، فشَرِبَ حتَّى يَراه النَّاسُ قد أفطَرَ، فعِندَ ذلك أفطَرَ النَّاسُ تَبَعًا له.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الفِطرِ في رَمَضانَ في السَّفَرِ.
وفيه أنَّ فَتحَ مَكَّةَ كان في شَهرِ رَمَضانَ.
وفيه أنَّ مِن أسبابِ الرُّخصةِ في الفِطرِ في السَّفرِ التَّقَوِّيَ على مَشاقِّ السَّفَرِ.
وفيه أنَّ حِفظَ القُوَّةِ بالفِطرِ أفضَلُ لِمَن هو مُنتَظِرٌ للِقاءِ العَدوِّ.
وفيه مَشروعيَّةُ الصَّومِ في السَّفَرِ.
وفيه مَشروعيَّةُ استِعمالِ الصَّائِمِ ما يَتَقَوَّى به على صَومِه مِمَّا لا يَقَعُ به الفِطرُ مِنَ التَّبَرُّدِ بالماءِ ونَحوِ ذلك.
وفيه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفطَرَ في فتحِ مَكَّةَ في رَمَضانَ.
وفيه مُتابَعةُ الصَّحابةِ واقتِداؤُهم بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .