أنَّ الأنْصاريَّ أَخبَرَ عَطاءٌ أنَّه قَبَّلَ امْرَأتَه على عَهْدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ وهو صائِمٌ، فأمَرَ امْرَأتَه فسألَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ عن ذلك، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ: «إنَّ رَسولَ اللهِ يَفعَلُ ذلك»، فأَخبَرَتْه امْرَأتُه فقالَ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ يُرخَّصُ له في أشْياءَ، فارْجِعي إليه فقولي له، فرَجَعْتُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ، فقالَتْ: قالَ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ يُرخَّصُ له في أشْياءَ، فقالَ: «أنا أَتْقاكم للهِ، وأَعلَمُكم بحُدودِ اللهِ».
النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أكمَلُ النَّاسِ إيمانًا باللهِ تعالى وأشَدُّهم له خَوفًا وتَقوى، وهو أعلَمُ النَّاسِ باللهِ تعالى، ومَعَ ذلك كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَزَوَّجُ النِّساءَ ويُقَبِّلُ أهلَه ويَصومُ ويُفطِرُ ويُصَلِّي ويَنامُ، وخَيرُ الهَديِ هَديُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ولهذا لمَّا سَمِعَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ بَعضَ أصحابِه امتَنَعَ مِنَ الزَّواجِ، وبَعضَهم أرادَ أن يَصومَ ولا يُفطِرَ، وبَعضَهم يَقومُ اللَّيلَ ولا يَنامُ، قال: مَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي.
ومِن ذلك أنَّ أحَدَ الأنصارِ أخبَرَ عَطاءً، وهو عَطاءُ بنُ يَسارٍ أحَدُ الرُّواةِ، أنَّه قَبَّلَ امرَأتَه على عَهدِ، أي: زَمَنَ، رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو صائِمٌ، فأمر الأنصاريُّ امرَأتَه أن تَسألَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن حُكمِ ذلك، أي: هَل القُبلةُ تُفسِدُ الصِّيامَ، وإذا كانت تُفسِدُه فما كَفَّارةُ ذلك؟ فذَهَبت المَرأةُ وسَألت النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ رَسولَ اللهِ يَفعَلُ ذلك، أي أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَفسَه يُقَبِّلُ زَوجاتِه وهو صائِمٌ.
والمَعنى: أنَّ تَقبيلَ الصَّائِمِ لزَوجَتِه لا يُفسِدُ الصِّيامَ؛ إذ لَو كان يُفسِدُ الصِّيامَ لَم يَفعَلْه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فرَجَعَتِ المَرأةُ إلى زَوجِها وأخبَرَته بما قال رَسولُ اللهِ.
فقال الرَّجُلُ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُرَخَّصُ له في أشياءَ، أي: أنَّ النَّبيَّ ليس مِثلَنا؛ فإنَّه قد يُبيحُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لرَسولِه ما لَم يُبِحْه لغَيرِه، فظَنَّ الرَّجُلُ أنَّ جَوازَ التَّقبيلِ للصَّائِمِ مِن خَصائِصِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه لا حَرَجَ عليه فيما يَفعَلُ؛ لأنَّه مَغفورٌ له.
ثُمَّ أمَرَ الرَّجُلُ زَوجَتَه أن تَرجِعَ مَرَّةً أُخرى للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتَقولَ له: إنَّك يا رَسولَ اللهِ قد يُرَخَّصُ لَك أشياءُ ولا تُرَخَّصُ لنا.
فرَجَعَتِ المَرأةُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقالت له: إنَّ زَوجَها قال: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُرَخَّصُ له في أشياءَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنا أتقاكُم للَّهِ، وأعلَمُكُم بحُدودِ اللهِ، أي: أنا أكثَرُكُم تَقوى للهِ تعالى وأكثَرُكُم مَعرِفةً بمَحارِمِ اللهِ تعالى، فكَيف أقَعُ فيها، ولَو كان تَقبيلُ الصَّائِمِ لزَوجَتِه مَنهيًّا عنه لَما فعَلتُه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ تَقبيلِ الصَّائِمِ لزَوجَتِه.
وفيه مَشروعيَّةُ سُؤالِ المَرأةِ للعالِمِ.
وفيه مَشروعيَّةُ السُّؤالِ عن أحكامِ الدِّينِ للتَّفقُّهِ.
وفيه مَشروعيَّةُ تَكرارِ السُّؤالِ على العالِمِ؛ إذ لَعَلَّه يَكونُ هناكَ ما خَفِيَ في الحُكمِ.
وفيه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أشَدُّ النَّاسِ تَقوى للهِ تعالى ومَعرِفةً بحُدودِه .