ابْغوني في الضُّعفاءِ؛ فإنَّما تُرزَقونَ وتُنصَرونَ بضُعَفائكُم.
أخرجه أبو داود (2594)، والترمذي (1702)، والنسائي (3179) واللفظ لهم.
خَلقَ اللهُ الخَلقَ وفاوتَ بَينَهم، فجَعَلَ مِنهمُ الضَّعيفَ والقَويَّ، والفقيرَ والغَنيَّ، والصَّحيحَ والمَريضَ، كُلُّ ذلك لحِكَمٍ يَعلَمُها سُبحانَه، ولمَّا كان النَّاسُ يَنظُرونَ للضَّعيفِ والفقيرِ نَظرةَ انتِقاصٍ، جَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَضلَ الضُّعَفاءِ أفضَلَ مِنَ الأغنياءِ والأقوياءِ حتَّى لا يُنتَقَصَ أحَدٌ مِنهم، وأنَّ الأُمَّةَ إنَّما تُنصَرُ بالضُّعَفاءِ؛ ولهذا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ابغُوني، أي: اطلُبوا لي في الضُّعَفاءِ، أي: مَن يَستَضعِفُهمُ النَّاسُ لفَقرِهم ورَثاثَتِهم، والمَعنى: قيلَ: اطلُبوا لي وتَقَرَّبوا إليَّ بالتَّقَرُّبِ إلى الضُّعَفاءِ، وذلك بتَفقُّدِ حالِهم وجَبرِ قُلوبِهم وحِفظِ حُقوقِهم والإحسانِ إليهم قَولًا وفِعلًا واستِنصارًا بهم، وقيلَ: اطلُبوهم لي يَصحَبونَني أو أعينوني على طَلَبِهم؛ فإنِّي طالِبٌ لَهم، وقيلَ: اطلُبوا رِضائي في رِضاءِ ضُعَفائِكُم، فإنَّما تُرزَقونَ، أي: تُمَكَّنونَ مِنَ الانتِفاعِ بما أخرَج اللَّهُ لكم، وتُنصَرونَ، أي: تُعانونَ على عَدوِّكُم ويُدفَعُ عنكُمُ البَلاءُ والأذى، بضُعَفائِكُم، أي: بسَبَبِ كَونِهم بَين أظهُرِكُم، أو بسَبَبِ رِعايَتِكُم حُقوقَهم، أو ببَرَكةِ دُعائِهم وصَلاتِهم وإخلاصِهم، والضَّعيفُ إذا رَأى عَجزَه وعَدَمَ قُوَّتِه تَبرَّأ عنِ الحَولِ والقوَّةِ بإخلاصٍ، واستعانَ باللهِ؛ فكانت له الغَلَبةُ، وكَم مِن فِئةٍ قَليلةٍ غَلَبَت فِئةً كَثيرةً بإذنِ اللهِ! بخِلافِ القَويِّ؛ فإنَّه يَظُنُّ أنَّه إنَّما يَغلِبُ الرِّجالَ بقُوَّتِه فتُعجِبُه نَفسُه غالبًا، وذلك سَبَبٌ للخِذلانِ.
وفي الحَديثِ فَضلُ الضُّعَفاءِ على غَيرِهم.
وفيه التَّأكيدُ على مُراعاةِ حالِ الضُّعَفاءِ.
وفيه أنَّ الضُّعَفاءَ سَبَبٌ مِن أسبابِ الرِّزقِ والنَّصرِ .