أنَّ الزُّبَيرَ رضِيَ اللهُ عنه مرَّ بلِصٍّ قد سَرَقَ، فقال: دَعوه اعْفوا عنه، فقالوا: تأمُرُنا بهذا يا أبا عبدِ اللهِ، وأنتَ صاحِبُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فقال الزُّبَيرُ: إنَّ الحُدودَ يُعْفى عنها ما لم تُرفَعْ إلى السُّلطانِ، فإذا رُفِعَتْ إلى السُّلطانِ، فلا أعْفاهُ اللهُ إنْ عَفا عنه.
أخرجه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (4/ 384) واللفظ له، وعبد الرزاق (18928)، وابن أبي شيبة (28075)، والدارقطني (3468) بنحوه.
الإنسانُ مُعَرَّضٌ للخَطَأِ؛ فقد يَقَعُ مِنه مَعصيةٌ توجِبُ عليه حَدًّا شَرعيًّا يُقامُ عليه، كالسَّارِقِ تُقطَعُ يَدُه، والزَّاني يُقامُ عليه حَدُّ الزِّنا، وغَيرِ ذلك، ولَكِنْ جَميعُ هذه العُقوباتِ مَرجِعُها إلى الإمامِ أو مَن يَنوبُ عنه؛ فهو الذي يُقيمُ هذه الحُدودَ، أمَّا عامَّةُ النَّاسِ فإنَّ عليهمُ النُّصحَ لمَن وقَعَ في شَيءٍ مِن هذه المَعاصي، والسَّترَ عليهم حَسَبَ ما تَقتَضيه المُصلحةُ، وليس مِن حَقِّهم إقامةُ الحُدودِ؛ ولهذا جاءَ في الحَديثِ الأمرُ بأن يَتعافى النَّاسُ الحُدودَ فيما بَينَهم؛ لأنَّها إذا رُفِعَت للسُّلطانِ ففي هذا الحالِ وجَبَ إقامةُ الحَدِّ، ولا يَصِحُّ عِندَ ذلك الشَّفاعةُ، ومِمَّا جاءَ في ذلك أنَّ الزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عنه مَرَّ بلصٍّ قد سَرَقَ، فقال: دَعَوه، اعفوا عنه، أي: ما دامَ أنَّ الأمرَ لَم يَصِلْ إلى السُّلطانِ فاترُكوه واعفوا عنه.
فقال النَّاسُ: تَأمُرُنا بهذا يا أبا عبدِ اللهِ، وأنتَ صاحِبُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟! أي: استَنكَروا مِنَ الزُّبَيرِ كَيف يَأمُرُهم بتَركِ إقامةِ الحَدِّ على السَّارِقِ، وهو حَدٌّ شَرعيٌّ! فقال الزُّبَيرُ: إنَّ الحُدودَ يُعفى عنها ما لَم تُرفَعْ إلى السُّلطانِ، أي: ما دامَت بَينَ النَّاسِ فالمَشروعُ فيها العَفوُ، فإذا رُفِعَت إلى السُّلطانِ، أي: إذا رُفِعَتِ الحُدودُ إلى السُّلطانِ فإنَّه يَجِبُ حينَئِذٍ عليه إقامةُ الحَدِّ، ولا يَجوزُ العَفوُ عِندَ ذلك، ومَن عَفا عنِ الحَدِّ بَعدَ أن بَلَغَ إلى السُّلطانِ فلا أعفاه اللَّهُ إن عَفا عنه، وهو دُعاءٌ عليه بأن لا يَعفوَ اللَّهُ عنه ولا يَتَجاوزَ عنه إذا أعفى صاحِبُ الحَدِّ مِن إقامةِ الحَدِّ عليه وتَجاوَزَ عنه.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الشَّفاعةِ في الحُدودِ قَبلَ بُلوغِها إلى السُّلطانِ.
وفيه مَشروعيَّةُ السَّترِ على المُسلمِ.
وفيه أنَّ الحُدودَ إذا وصَلَت إلى السُّلطانِ وجَبَت إقامَتُها.
وفيه الوعيدُ الشَّديدُ على مَن عَفا عنِ الحُدودِ أو شَفَعَ فيها بَعدَ وُصولِها إلى السُّلطانِ .
شرح مشكل الآثار (4/ 384) :
ما قد حدثنا محمد بن خزيمة قال: حدثنا حجاج بن منهال قال: حدثنا حماد يعني ابن سلمة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أخيه عبد الله بن عروة عن الفرافصة أن الزبير رضي الله عنه مر بلص قد سرق، فقال: دعوه اعفوا عنه، فقالوا: تأمرنا بهذا يا أبا عبد الله وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الزبير: " إن الحدود يعفى عنها ما لم ترفع إلى السلطان، فإذا رفعت إلى السلطان فلا أعفاه الله إن عفا عنه "
مصنف عبد الرزاق (10/ 226 ت الأعظمي) :
18928 - أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر ، عن هشام بن عروة ، أن الفرافصة ، مر به الزبير وقد أخذ سارقا ، ومعه ناس ، فشفع له ، فقال الفرافصة: نبلغه الأمير فإن شاء عفا عنه ، فقال الزبير: إذا عفا عنه الأمير فلا عافاه الله
مصنف ابن أبي شيبة (5/ 473 ت الحوت) :
28075 - حدثنا أبو بكر قال: حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن عروة، عن الفرافصة الحنفي، قال: مروا على الزبير بسارق فتشفع له، قالوا: أتشفع لسارق؟ قال: نعم، ما لم يؤت به إلى الإمام، فإذا أتي به إلى الإمام، فلا عفا الله عنه إن عفا عنه
سنن الدارقطني (4/ 284) :
3468 - نا عبد الله بن جعفر بن خشيش ، نا سلم بن جنادة ، نا وكيع ، نا هشام بن عروة ، عن عبد الله بن عروة ، عن الفرافصة الحنفي ، قال: مروا على الزبير بسارق فشفع له ، فقالوا: يا أبا عبد الله تشفع للسارق؟ ، قال: نعم لا بأس به ما لم يؤت به الإمام ، فإذا أتي به الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا عنه