عن مُصعَبِ بنِ سعدٍ عن أبيه، أنَّه ظنَّ أنَّ له فضلًا على مَن دُونَهُ من أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّما يَنصُرُ اللهُ هذه الأُمَّةَ بضَعيفِها؛ بدَعوتِهِم وصَلاتِهِم وإخلاصِهِم.
أخرجه النسائي (3178) واللفظ له، وأخرجه البخاري (2896) باختلاف يسير
خَلقَ اللهُ الخَلقَ وفاوتَ بَينَهم، فجَعَلَ مِنهمُ الضَّعيفَ والقَويَّ، والفقيرَ والغَنيَّ، والصَّحيحَ والمَريضَ، كُلُّ ذلك لحِكَمٍ يَعلَمُها سُبحانَه، ولمَّا كان النَّاسُ يَنظُرونَ للضَّعيفِ والفقيرِ نَظرةَ انتِقاصٍ، جَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَضلَ الضُّعَفاءِ أفضَلَ مِنَ الأغنياءِ والأقوياءِ حتَّى لا يُنتَقَصَ أحَدٌ مِنهم، وأنَّ الأُمَّةَ إنَّما تُنصَرُ بالضُّعَفاءِ، ومِن ذلك أنَّ سَعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه ظَنَّ، أي: رَأى أنَّ له فَضلًا، أي: زيادةَ مَنزِلةٍ بسَبَبِ شَجاعَتِه وغِناه ونَحوِ ذلك، على مَن دونَه مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّما يَنصُرُ اللهُ هذه الأُمَّةَ بضَعيفِها، أي: بسَبَبهم؛ وذلك لأنَّ الضُّعَفاءَ أشَدُّ إخلاصًا في الدُّعاءِ وأكثَرُ خُشوعًا في العِبادةِ؛ لخَلاءِ قُلوبِهم عنِ التَّعَلُّقِ بزُخرُفِ الدُّنيا، ولأنَّهم جَعَلوا هَمَّهم واحِدًا؛ فأُجيبَ دُعاؤُهم وزَكَت أعمالُهم.
فللفُقَراءِ عِندَ اللهِ مِنَ الشَّرَفِ ما ليس للأغنياءِ، ثُمَّ بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبَبَ النَّصرِ، فقال: بدَعوتِهم، أي: بسَبَبِ دُعائِهم لرَبِّهم حتَّى يَنصُرَ المُسلِمينَ، وصَلاتِهم، أي: ببَرَكةِ صَلاتِهمُ التي يُقيمونَها بأركانِها وسُنَنِها، وآدابِها وخُشوعِها، كما أمَرَهمُ اللَّهُ تعالى بذلك.
وإخلاصِهم، أي: بسَبَبِ إخلاصِهم في الطَّاعاتِ للهِ تعالى.
والمَعنى: أنَّه تعالى جَعلَ النَّصرَ بطاعاتِ الضُّعَفاءِ لا بقوى الأبطالِ، وأنَّ الأعمالَ الصَّالحةَ جِهادُ الضُّعَفاءِ، وأرادَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك حَضَّ سَعدٍ على التَّواضُعِ، ونَفيِ الزَّهوِ على غَيرِه، وتَركِ احتِقارِ المُسلمِ في كُلِّ حالةٍ.
وفي الحَديثِ أنَّ النَّصرَ إنَّما هو مِن عِندِ اللهِ.
وفيه فَضلُ الضُّعَفاءِ على غَيرِهم.
وفيه أنَّ رِفعةَ القَدرِ عِندَ اللهِ تعالى ليست بالمَظهَرِ، وإنَّما هيَ بالتَّقوى والإخلاصِ والورَعِ.
وفيه فَضيلةُ الدُّعاءِ والصَّلاةِ والإخلاصِ للهِ تعالى؛ فهيَ مِن أسبابِ النَّصرِ على الأعداءِ.
وفيه أنَّ نَصرَ اللهِ للأُمَّةِ هو بسَبَبِ الضُّعَفاءِ لدُعائِهم وصَلاتِهم وإخلاصِهم.
وفيه تَعليمُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه، وإرشادُهم للخَيرِ والصَّوابِ .