خرَجْنا ستَّة وفد إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خمسةٌ مِن بني حنيفةَ والسادسُ رجُلٌ مِن ضُبَيعةَ بنِ ربيعةَ حتَّى قدِمْنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبايَعْناه وصلَّيْنا معه وأخبَرْناه أنَّ بأرضِنا بِيعةً لنا واستَوْهَبْناه مِن فضلِ طَهورِه فدعا بماءٍ فتوضَّأ منه وتمضمَض ثمَّ صبَّه لنا في إداوةٍ ثمَّ قال : ( اذهَبوا بهذا الماءِ فإذا قدِمْتُم بلدَكم فاكسِروا بِيعتَكم ثمَّ انضَحوا مكانَها مِن هذا الماءِ واتَّخِذوا مكانَها مسجدًا ) فقُلْنا : يا رسولَ اللهِ البلدُ بعيدٌ والماءُ ينشَفُ قال : ( فأمِدُّوه مِن الماءِ فإنَّه لا يزيدُه إلَّا طِيبًا ) فخرَجْنا فتشاحَحْنا على حَمْلِ الإداوةِ أيُّنا يحمِلُها فجعَلها رسولُ اللهِ لكلِّ رجُلٍ منَّا يومًا وليلةً فخرَجْنا بها حتَّى قدِمْنا بلدَنا فعمِلْنا الَّذي أمَرنا وراهبُ ذلك القومِ رجُلٌ مِن طيِّئٍ فنادَيْناه بالصَّلاةِ فقال الرَّاهبُ : دعوةُ حقٍّ ثمَّ هرَب فلَمْ يُرَ بعدُ

الدلالات الموضوعية:# مساجد ومواضع الصلاة - عمارة المساجد وبناؤها وهدمها وما يتعلق بذلك# طهارة - إزالة النجاسات# طهارة - الماء المستعمل# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - تبرك الناس به# مساجد ومواضع الصلاة - الصلاة في البيعة
المصدر: تخريج صحيح ابن حبان
الراوي: طلق بن علي الحنفي
المحدث: شعيب الأرناؤوط
الحكم:إسناده قوي

بيانات التخريج:

أخرجه ابن حبان (1602) واللفظ له، والنسائي (701)، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (5/ 552)، وأبو نعيم في ((دلائل النبوة)) (47) بنحوه.

الشرح والتوضيح

لمَّا فتَحَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكَّةَ في السَّنةِ الثَّامِنةِ للهجرةِ، ودَخل النَّاسُ في دينِ اللهِ أفواجًا، وأقبَلَت وُفودُ قَبائِلِ العَرَبِ إلى المَدينةِ سَنةَ تِسعٍ مِنَ الهِجرةِ، وسُمِّي ذلك العامُ بعامِ الوُفودِ، والوَفدُ همُ القَومُ يَجتَمِعونَ ويَرِدونَ البلادَ، واحِدُهم: وافِدٌ، ويُطلقُ أيضًا على الذينَ يَقصِدونَ الأُمَراءَ لزيارةٍ واستِرفادٍ وغَيرِ ذلك.

وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَستَقبِلُهم ويَدعو لَهم، ويُعَلِّمُهم، ومِن ذلك أنَّه خَرَجَ سِتَّةُ وَفدٍ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَمسةٌ مِن بَني حَنيفةَ، أي: مِن قَبيلةِ بَني حَنيفةَ، ومِنهم طَلقُ بنُ عَليٍّ الحَنَفيُّ رَضِيَ اللهُ عنه، والسَّادِسُ رَجُلٌ مِن ضُبَيعةَ بنِ رَبيعةَ.

وهيَ قَبيلةٌ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، حتَّى قَدِموا على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: قَصَدوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالمَدينةِ، يَقولُ طَلقٌ: فبايَعناه وصَلَّينا مَعَه، أي: أسلَموا وبايَعوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الإسلامِ وصَلَّوا مَعَه حتَّى يَتَعَلَّموا كَيفيَّةَ صَلاتِه، ثُمَّ أخبَروه أنَّ بأرضِهم بِيعةً لَهم.

وهيَ مَعبَدُ النَّصارى، ثُمَّ استوهبوه، أي: طَلَبوا مِنه وسَألوه أن يُعطيَهم، مِن فَضلِ طَهورِه.

ولَعَلَّ المُرادَ ما استَعمَلَه في الوُضوءِ وسَقَطَ مِن أعضائِه، ويُحتَمَلُ أنَّ المُرادَ ما بَقيَ في الإناءِ عِندَ الفراغِ مِنَ الوُضوءِ.

والفَضلُ هو البَقيَّةُ.

فدَعا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بماءٍ فتَوضَّأ مِنه، وتَمَضمَضَ، ثُمَّ صَبَّ ذلك الماءَ لَهم في إداوةٍ، وهيَ: إناءٌ صَغيرٌ مِن جِلدٍ يُتَّخَذُ للماءِ.

ثُمَّ قال لَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اذهَبوا بهذا الماءِ، فإذا قَدِمتُم بَلَدَكُم، أي: ديارَكُم فاكسِروا بِيعَتَكُم، أي: اهدِموها وخَرِّبوها، وقيلَ: غَيِّروا مِحرابَها وحَوَّلوه إلى الكَعبةِ، ثُمَّ انضَحوا مَكانَها، أي: رُشُّوا وصُبُّوا مَكانَ البِيعةِ، مِن هذا الماءِ، أي: فَضلِ طَهورِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي أعطاهم إيَّاه؛ ليَصِلَ إليها بَرَكةُ فَضلِ وَضوئِه، واتَّخِذوا مَكانَها مَسجِدًا، أي: اجعَلوا مَكانَ تلك البِيعةِ مَسجِدًا.

فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، البَلَدُ بعيدٌ والماءُ يَنشَفُ، أي: أنَّ بلادَنا بَعيدةٌ، وهذا الماءُ قَليلٌ، فمَعَ السَّفَرِ سيَنشَفُ الماءُ ويَجِفُّ، ولَن نَصِلَ بَلَدَنا إلَّا وقدِ انتَهى هذا الماءُ! فقال رَسولُ اللهِ: فأمِدُّوه مِنَ الماءِ، أي: زيدوا عليه مِن ماءٍ آخَرَ حتَّى يَكثُرَ، والإمدادُ: الزِّيادةُ؛ فإنَّه لا يَزيدُه إلَّا طِيبًا، أي: أنَّ فَضلُ الطَّهورِ لا يَزيدُ الماءَ الزَّائِدَ إلَّا طِيبًا، فيَصيرُ الكُلُّ طَيِّبًا.

يَقولُ طَلقٌ: فخَرَجْنا فتَشاحَحْنا، أي: تَسابَقْنا وتَنافَسْنا على حَملِ الإداوةِ أيُّنا يَحمِلُها.

ويُقالُ: تَشاحَّ الرَّجُلانِ على الأمرِ لا يُريدانِ أن يَفوتَهما، فكُلُّهم يُريدُ أن يَحمِلَ تلك الإداوةَ لِما فيها مِنَ البَرَكةِ، فجَعَلَها رَسولُ اللهِ لكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَومًا ولَيلةً، أي: حَكَمَ فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَحمِلَها كُلَّ يَومٍ ولَيلةٍ واحِدٌ مِنَّا.

يَقولُ طَلقٌ: فخَرَجْنا بها، أي: بالإداوةِ، حتَّى قَدِمْنا بَلَدَنا، فعَمِلْنا الذي أمَرَنا، أي: فعَلوا ما أمَرَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بأن هدَموا البِيعةَ ورَشُّوا مَكانَها مِن تلك الإداوةِ، وبَنَوا مَكانها مَسجِدًا.

وراهِبُ.

وهو مِن عُبَّادِ النَّصارى، ذلك القَومِ رَجُلٌ مِن طَيِّئٍ، أي: مِن قَبيلةِ طَيِّئٍ، فنادَيناه بالصَّلاةِ، أي: دَعَوناه أن يُصَلِّيَ مَعنا، وهذا مَعناه الدَّعوةُ إلى الإسلامِ أيضًا؛ فإنَّه لا تَصِحُّ الصَّلاةُ إلَّا بالإسلامِ، فقال الرَّاهبُ: دَعوةُ حَقٍّ، أي: أنَّ الدَّعوةَ إلى الصَّلاةِ هيَ حَقٌّ وصَحيحةٌ، ومَعنى ذلك أنَّ الإسلامَ هو الدِّينُ الحَقُّ.

ثُمَّ هَرَبَ هذا الرَّاهبُ ولَم يُرَ بَعدُ، أي: أنَّه اختَفى عنهم ولَم يَرَوه بَعدَ تلك الحادِثةِ.

وفي الحَديثِ إقبالُ الوُفودِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه مُبايَعةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للوُفودِ.

وفيه أنَّ الوُفودَ كانوا يُصَلُّونَ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَتَعَلَّموا صَلاتَه.

وفيه مَشروعيَّةُ إخبارِ الوُفودِ بما في بلادِهم مِن وقائِعَ.

وفيه حِرصُ الوفدِ على أن يَأخُذوا شَيئًا مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَبَرَّكونَ به.

وفيه مَشروعيَّةُ التَّبَرُّكِ بفَضلِ طَهورِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وآثارِه.

وفيه إجابةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الوَفدَ لِما طَلَبوا.

وفيه مَشروعيَّةُ المَضمَضةِ في الوُضوءِ.

وفيه الأمرُ بكَسرِ البِيَعِ.

وفيه مَشروعيَّةُ اتِّخاذِ البِيَعِ مَساجِدَ.

وفيه مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه حِرصُ الوفدِ على مَن يَأخُذُ الإداوةَ لِما فيها مِنَ البَرَكةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الاحتِكامِ عِندَ الاختِلافِ.

وفيه مَشروعيَّةُ جَعلِ المُناوَبةِ يَومًا ولَيلةً.

وفيه دَعوةُ الكافِرِ إلى الإسلامِ.

وفيه إقرارُ النَّصارى بصِحَّةِ الإسلامِ وأنَّه حَقٌّ .

الأصول والأحكام

صحيح ابن حبان (4/ 479) 1602 - أخبرنا أبو خليفة، قال: حدثنا مسدد بن مسرهد، قال: حدثنا ملازم بن عمرو، قال: حدثني عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه ، قال: خرجنا ستة وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة من بني حنيفة، والسادس رجل من ضبيعة بن ربيعة، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، واستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ منه، وتمضمض ثم صبه لنا في إداوة، ثم قال: اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها من هذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدا، فقلنا: يا رسول الله، البلد بعيد، والماء ينشف، قال: فأمدوه من الماء، فإنه لا يزيده إلا طيبا، فخرجنا فتشاححنا على حمل الإداوة، أينا يحملها، فجعلها رسول الله، لكل رجل منا يوما وليلة، فخرجنا بها حتى قدمنا بلدنا، فعملنا الذي أمرنا، وراهب ذلك القوم رجل من طيئ فناديناه بالصلاة فقال الراهب: دعوة حق ثم هرب فلم ير بعد.

سنن النسائي (2/ 38) 701 - أخبرنا هناد بن السري، عن ملازم قال: حدثني عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي قال: خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره فدعا بماء فتوضأ وتمضمض، ثم صبه في إداوة وأمرنا فقال: اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجدا قلنا: إن البلد بعيد , والحر شديد , والماء ينشف فقال: مدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيبا فخرجنا حتى قدمنا بلدنا فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها , واتخذناها مسجدا، فنادينا فيه بالأذان , قال: والراهب رجل من طيئ، فلما سمع الأذان قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد

الطبقات الكبرى ط دار صادر (5/ 552) قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا ملازم بن عمرو، قال: حدثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق قال: خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقدمنا عليه فبايعناه وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه من فضل طهوره فدعا بماء فتوضأ منه وتمضمض ثم صبه لنا في إداوة ثم قال: اذهبوا به فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها من هذا الماء واتخذوها مسجدا قال: قلنا: يا رسول الله إن الحر شديد والبلد بعيد والماء ينشف قال: فأمدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيبا فخرجنا حتى قدمنا فكسرنا البيعة , ونضحنا مكانها واتخذناها مسجدا ونادينا فيه بالصلاة

دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص: 90) 47 - حدثنا أبو عمرو بن حمدان، قال: ثنا الحسن بن سفيان، قال: ثنا نصر بن علي، قال: ثنا ملازم بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه ، قال: خرجنا وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، واستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء، فتوضأ منه، وتمضمض منه، وصب لنا في إداوة، ثم قال: " اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم، فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها من هذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدا، قلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف، قال:، فأمدوه من الماء، فإن الماء لا يزيده إلا طيبا،.

قال: فخرجنا وتشاححنا على حمل الإداوة، أينا يحملها، فجعلها نبي الله صلى الله عليه وسلم بيننا نوبا على كل رجل يوما وليلة، فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، ففعلنا الذي أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراهبنا يومئذ رجل من طيئ، فأذنا، فقال راهبنا لما سمع الأذان: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا، ثم ذهب فلم ير بعد

أحاديث ذات صلة