كنَّا قعودًا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المسجِدِ فشخَص بصَرُه إلى رجُلٍ يمشي في المسجدِ فقال ( يا فلانُ أتشهَدُ أنِّي رسولُ اللهِ ) قال : لا قال : ( أتقرَأُ التَّوراةَ ) ؟ قال : نَعم قال : ( والإنجيلَ ) ؟ قال : نَعم قال : ( والقُرآنَ ) ؟ قال : والَّذي نفسي بيدِه لو أشاءُ لَقرَأْتُه قال : ثمَّ أنشَده فقال : ( تجِدُني في التَّوراةِ والإنجيلِ ) ؟ قال : نجِدُ مَثَلَك ومَثَلَ أمَّتِك ومَثَلَ مَخرَجِك وكنَّا نرجو أنْ تكونَ فينا فلمَّا خرَجْتَ تخوَّفْنا أنْ تكونَ أنتَ فنظَرْنا فإذا ليس أنتَ هو قال : ( ولِمَ ذاك ) ؟ قال : إنَّ معه مِن أمَّتِه سبعينَ ألفًا ليس عليهم حسابٌ ولا عقابٌ وإنَّ ما معك نفرٌ يسيرٌ قال : ( فوالَّذي نفسي بيدِه لَأنا هو وإنَّها لَأُمَّتي وإنَّهم لَأكثَرُ مِن سبعينَ ألفًا وسبعينَ ألفًا وسبعينَ ألفًا )
أخرجه ابن حبان (6580) بلفظه، والبزار (3700)، والطبراني (854) (18/ 332) كلاهما بلفظ مقارب.
مِنَ الدَّلائِلِ على صِدقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصِدقِ نُبوَّتِه أنَّه قد جاءَ ذِكرُه في الكُتُبِ السَّابقةِ، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157] ، وبَشَّرَ به الأنبياءُ قَبلَه؛ ولهذا كان اليَهودُ في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعلَمونَ ويُقِرُّونَ بظُهورِ نَبيٍّ آخِرَ الزَّمانِ، وكانوا يَظُنُّونَ أنَّه سَيَكونُ مِنهم فإذا خَرَجَ آمَنوا به واتَّبَعوه، ولَكِن لَمَّا ظَهَرَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليس مِنهم بل مِنَ العَرَبِ، كَذَّبوا وكَفروا به ولَم يُصَدِّقوه، وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ الفَلَتانُ بنُ عاصِمٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فيَقولُ: كُنَّا، أي: الصَّحابةُ، قُعودًا مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المَسجِدِ، فشَخَصَ بَصَرَه، أي: رَفعَ أجفانَ عُيونِه للأعلى إلى رَجُلٍ كان يَمشي في المَسجِدِ.
فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا فُلانُ.
ناداه باسمِه، والظَّاهرُ أنَّه مِنَ اليَهودِ، أتَشهَدُ أنِّي رَسولُ اللهِ، أي: أتُقِرُّ وتَعلَمُ أنِّي رَسولُ اللهِ؟ فقال الرَّجُلُ: لا.
فقال له رَسولُ اللهِ: أتقرَأُ التَّوراةَ؟ أي: هَل أنتَ مِمَّن قَرَأ التَّوراةَ واطَّلَعَ على ما فيها؟ فقال الرَّجُلُ: نَعَم.
فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: والإنجيلَ؟: أي: وهَل تَقرَأُ الإنجيلَ واطَّلَعتَ عليه؟ فقال الرَّجُلُ: نَعَم.
فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: والقُرآنَ؟ أي: وهَل تَقرَأُ القُرآنَ؟ فقال: والذي نَفسي بيَدِه لَو أشاءُ لَقَرَأتُه، أي: أنَّني لَو أُريدُ أن أقرَأه لَقَرَأتُه، وهذا يَدُلُّ على أنَّه لَم يَقرَأْه.
فأنشَدَه رَسولُ اللهِ، أي: قال له: أنشُدُك باللهِ، أي: سَألتُك وأقسَمتُ عليك باللهِ: تَجِدُني في التَّوراةِ والإنجيلِ؟ أي: هَل تَجِدُ ذِكرَ نُبوَّتي في التَّوراةِ والإنجيلِ؟ وفي رِوايةٍ أُخرى: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال له: فأسألُك بالذي أنزَلَ التَّوراةَ والإنجيلَ وأشياءَ خَلَقَها، أما تَجِدُني فيهما؟ فقال الرَّجُلُ: نَجِدُ مِثلَك، أي: شَخصًا بصِفاتِك، ومِثلَ أُمَّتِك، أي: ومِثلَ صِفاتِ أُمَّتِك، ومِثلَ مَخرَجِك، أي: زَمَنِ خُروجِك ومَكانِه، وكُنَّا نَرجو، أي: نُؤَمِّلُ أن تَكونَ فينا، أي: النُّبُوَّةُ فيهم، فلَمَّا خَرَجَت، أي: أظهَرتَ أنَّك نَبيُّ آخِرِ الزَّمانِ، تخَوَّفنا أن تَكونَ أنتَ، أي: خَشينا أن يَكونَ أنتَ هو ذلك النَّبيَّ، لَكِنَّا نَظَرْنا فإذا ليس أنتَ هو، أي: تَأمَّلَنا فيك وفيمَن مَعَك فعَرَفْنا أنَّه ليس أنتَ نَبيَّ آخِرِ الزَّمانِ! فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ولمَ ذاكَ؟ أي: بمَ عَرَفتُم أنِّي لَستُ نَبيَّ آخِرِ الزَّمانِ؟ فقال الرَّجُلُ: إنَّ مَعَه، أي: نَبيِّ آخِرِ الزَّمانِ، مِن أُمَّتِه سَبعينَ ألفًا ليس عليهم حِسابٌ ولا عِقابٌ، أي: أنَّهم يَدخُلونَ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ ولا عِقابٍ.
وإنَّ ما مَعَك نَفرٌ يَسيرٌ، أي: أنَّ مَعَك نَفَرًا يَسيرًا لا يَصِلونَ إلى هذا العَدَدِ! فعِندَ ذلك قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فوالذي نَفسي بيَدِه، لأنا هو، أي: نَبيُّ آخِرِ الزَّمانِ، وإنَّها لَأُمَّتي، وإنَّهم لأكثَرُ مِن سَبعينَ ألفًا وسَبعينَ ألفًا وسَبعينَ ألفًا، أي: الذينَ يَدخُلونَ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ ولا عِقابٍ أكثَرُ مِن سَبعينَ ألفًا، يَعني أنَّ ذلك سيَكونُ.
وفي الحَديثِ تَواضُعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقُعودُه مَعَ أصحابِه.
وفيه اهتِمامُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَن يَدخُلُ المَسجِدَ ولَو كان غَيرَ مُسلِمٍ.
وفيه مَشروعيَّةُ دُخولِ الكافِرِ للمَسجِدِ.
وفيه مُحاورةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأهلِ الكِتابِ.
وفيه عِنادُ بَعضِ اليَهودِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ حَلِفِ الكافِرِ باللهِ تعالى.
وفيه مَشروعيَّةُ استِحلافِ الخَصمِ والمُجادِلِ.
وفيه اعتِرافُ اليَهوديِّ بوُجودِ صِفةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كُتُبِهم.
وفيه الدَّلالةُ على نُبُوَّةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الكُتُبِ السَّابقةِ.
وفيه بَيانُ بَغيِ وحَسَدِ اليَهودِ لمَّا كانتِ النُّبُوَّةُ في غَيرِهم.
وفيه فضلُ هذه الأُمَّةِ وأنَّ فيها أكثَرَ مِن سَبعينَ ألفًا يَدخُلونَ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ ولا عِقابٍ.
وفيه مَشروعيَّةُ القَسَمِ لتَأكيدِ أمرٍ ما.
وفيه قَسَمُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّه النَّبيُّ الذي جاءَ ذِكرُه في الكُتُبِ السَّابقةِ .