أنَّ رَهطًا منَ الأنصارِ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ أخبروهُ أنَّ رجلًا قامَ في جوفِ اللَّيلِ يريدُ أن يفتتحَ سورةً كان قد وعاها فلم يقدِرْ منْها على شيءٍ إلَّا بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فأتى بابَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ حينَ أصبحَ ليسألَهُ عن ذلِكَ ثمَّ جاءَ آخرُ حتَّى اجتمَعوا فسألَ بعضُهم بعضًا ما جمعَهم؟ فأخبرَ بعضُهم بعضًا بشأنِ تلْكَ السُّورةِ ثمَّ أذنَ لَهم رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ، فأخبروهُ خبرَهم وسألوهُ عنِ السُّورةِ فسَكتَ ساعةً لا يرجعُ إليْهم شيئًا ثمَّ قالَ: نُسخَتِ البارحةَ فنُسِخت من صدورِهم ومن كلِّ شيءٍ كانت فيهِ.
كان القُرآنُ يَنزِلُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالتَّدريجِ لبَيانِ الأحكامِ والوقائِع والأحداثِ، ولمَّا كان أمرُ الإسلامِ في مَرحَلةِ التَّشريعِ كانت هناكَ بَعضُ الآياتِ تَنزِلُ فتَنسَخُ بَعضَ الأحكامِ المَوجودةِ، والنَّسخُ هو الرَّفعُ والإزالةُ، فالنَّسخُ في الشَّريعةِ وفي القُرآنِ مَوجودٌ، كما قال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] ، وقد تبقى الآيةُ المَنسوخةُ مَوجودةً في القُرآنِ تُتلى لمَزيدِ الأجرِ، ولَكِنَّ حُكمَها مَنسوخٌ لا يُعمَلُ به، وأحيانًا قد تَرتَفِعُ الآيةُ المَنسوخةُ مِنَ المُصحَفِ وكَذا مِن صُدورِ النَّاسِ ويَنسَونَها، ومِن ذلك ما جاءَ أنَّ رَهطًا -والرَّهطُ مِنَ الرِّجالِ ما دونَ العَشَرةِ- مِنَ الأنصارِ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أخبَروه، أي: أخبَروا أبا أُمامةَ بنَ سَهلٍ، فهو راوي الحَديثِ، أنَّ رَجُلًا مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قامَ في جَوفِ اللَّيلِ، أي: ثُلُثِه الآخِرِ، يُصَلِّي، فأرادَ أن يَفتَتِحَ سورةً، أي: يَقرَأَ سورةً كان قد وعاها، أي: حَفِظَها في صَدرِه، فلَم يَقدِرْ مِنها على شَيءٍ! أي: لَم يَستَطِعْ أن يَقرَأَها إلَّا بسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ.
فأتى بابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ أصبَحَ ليَسألَه عن ذلك، أي: ذَهَبَ في الصَّباحِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى يَسألَه عن سَبَب عَدَمِ استِطاعَتِه قِراءةَ السُّورةِ التي حَفِظَها.
ثُمَّ إنَّه جاءَ رَجُلٌ آخَرُ مَعَه نَفسُ السُّؤالِ، حتَّى اجتَمَعَ عِندَ بابِ رَسولِ اللهِ جَماعةٌ، فسَألَ بَعضُهم بَعضًا ما جَمَعَهم؟ أي: ما سَبَبُ اجتِماعِكُم هنا، فأخبَرَ بَعضُهم بَعضًا بشَأنِ تلك السُّورةِ، أي: أنَّهم كُلَّهم لَم يَستَطيعوا قِراءةَ تلك السُّورةِ! ثُمَّ أذِنَ لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: سَمحَ لَهم بالدُّخولِ، فأخبَروه خَبَرَهم، أي: قَصُّوا عليه قِصَّتَهم مِن عَدَمِ استِطاعَتِهم قِراءةَ تلك السُّورةِ، وسَألوه عنِ السُّورةِ، فسَكتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ساعةً، أي: زَمَنًا مُعَيَّنًا، لا يَرجِعُ إليهم شَيئًا، أي: لا يُخبرُهم بشَيءٍ عنها.
ولَعَلَّه كان يوحى إليه في شَأنِ تلك السُّورةِ، ثُمَّ قال لَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نُسِخَتِ البارِحةَ، أي: رُفِعَت تلك السُّورةُ البارِحةَ، والبارِحةُ هيَ أقرَبُ لَيلةٍ مَضَت.
فلَمَّا نُسِخَت تلك السُّورةُ نُسِخَت مِن صُدورِهم، أي: رُفِعَت مِن حِفظِهم أيضًا، والصَّدرُ هو مَكانُ الحِفظِ، ورُفِعَت أيضًا مِن كُلِّ شَيءٍ كانت فيه.
ونَسخُ هذه السُّورةِ ومَحوُها مِن صُدورِهم مِن بَراهينِ النُّبُوَّةِ.
وفي الحَديثِ حِفظُ الصَّحابةِ لسُوَرِ القُرآنِ في صُدورِهم.
وفيه رُجوعُ النَّاسِ إلى العُلَماءِ عِندَ استِشكالِ ما قد يَقَعُ لَهم.
وفيه أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لا يُخبرُ إلَّا بما يوحى إليه.
وفيه إثباتُ النَّسخِ في القُرآنِ.
وفيه أنَّ مِن صُوَرِ النَّسخِ أن تَرتَفِعَ الآيةُ مِنَ المُصحَفِ ومِنَ الصُّدورِ .