- أن ابنَ مُقَرِّنٍ سأل عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ، فقال: يا أبا عَبدِ الرَّحمنِ إنِّي حَلَفْتُ ألَّا أناَم على فِراشٍ سَنَةً، فتلا عبدُ اللهِ هذه الآيةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87]، كفِّرْ عن يمينِك ونَمْ على فِراشِك، قال: إنِّي مُوسِرٌ ، قال: أعتِقْ رقَبةً، قال: عَبَدي سَرَقَ قِباءً مِن عندي، قال: مالُكَ سَرَقَ بَعضُه مِن بَعضٍ، أي: لا قَطْعَ عليه، قال: أَمَتي زَنَت، قال: اجلِدْها، قال: إنَّها لم تُحصَنْ، قال: إسلامُها إحصانُها
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (9/ 340) (9693) واللفظ له، وسعيد بن منصور في ((التفسير)) (773)، والطبري في ((تفسيره)) (8/ 649) مختصرًا.
خَلقَ اللهُ تعالى الخَلقَ وأباحَ لَهمُ الطَّيِّباتِ رَحمةً مِنه سُبحانَه وتَفضُّلًا على خَلقِه، وليس لأحَدٍ أن يُحَرِّمَ شَيئًا مِمَّا أحَلَّه اللهُ تعالى يَبتَغي بذلك القُربَ والطَّاعةَ للَّهِ؛ فليس مِنَ الدِّينِ أن يُحَرِّمَ الإنسانُ على نَفسِه الطَّيِّباتِ مِنَ المَآكِلِ أوِ المَشارِبِ أوِ المناكِحِ أوِ النَّومِ، فيَترُكَ هذه الأشياءَ ويَجتَهدَ في العِبادةِ، وقد أنكَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على مَن فعَلَ ذلك، وقال: مَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي؛ ولهذا لمَّا حَلَف ابنُ مُقَرِّنٍ، واسمُه مَعقِلُ بنُ مُقَرِّنٍ، أنَّه لا يَنامُ على فِراشٍ لمُدَّةٍ سَنةٍ كامِلةٍ، ثُمَّ جاءَ إلى عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه يَسألُه، فقال له: يا أبا عَبدِ الرَّحمَنِ إنِّي حَلَفتُ ألَّا أنامَ على فراشٍ سَنةً، أي: فما حُكمُ هذا؟ فتَلا عبدُ اللهِ عليه هذه الآيةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] .
والمَعنى: لماذا حَرَّمتَ على نَفسِك ما أحَلَّه اللهُ، وقد نَهى اللَّهُ عن ذلك؟ كَفِّرْ عن يَمينِك ونَمْ على فِراشِك، أي: عليك بأن تُكَفِّرَ عن هذه اليَمينِ، ونَمْ على فِراشِك، وكَفَّارةُ اليَمينِ هيَ إطعامُ عَشَرةِ مَساكينَ أو كِسوتُهم أو تَحريرُ رَقَبةٍ، فمَن لَم يَجِدْ فيَصومُ ثَلاثةَ أيَّامٍ.
فقال الرَّجُلُ: إنِّي موسِرٌ، أي: لَدَيَّ مالٌ وسَعةٌ، فقال له ابنُ مَسعودٍ: أعتِقْ رَقَبةً؛ وذلك لأنَّ عِتقَ الرِّقابِ أفضَلُ شَيءٍ.
فقال الرَّجُلُ: عَبدي سَرَقَ قَباءً، وهو عِبارةٌ عن ثَوبٍ يُلبَسُ فوقَ الثِّيابِ أوِ القَميصِ، مِن عِندي، أي: أحَدُ عَبيدي سَرَقَ مِنِّي قَباءً، فما حَدُّه؟ فقال ابنُ مَسعودٍ: مالُك.
والمَقصودُ به العَبدُ سَرَقَ بَعضُه مِن بَعضٍ، أي: أنَّ العَبدَ وهو يُعَدُّ مِن مالِكَ سَرَقَ القَباءَ وهو أيضًا مالُك، فبَعضُ المالِ سَرَقَ بَعضَ المالِ، فلا قَطعَ عليه، أي: ليس على العَبدِ قَطعٌ إذا سَرَقَ مِن مالِ سَيِّدِه.
فقال الرَّجُلُ: أَمَتي زَنَت، أي: جاريَتُه زَنَت، فما حَدُّها؟ فقال ابنُ مَسعودٍ: اجلِدْها، أي: أقِمْ عليها حَدَّ الجَلدِ فاجلِدْها.
وحَدُّ الجاريةِ نِصفُ حَدِّ الحُرَّةِ، فتُجلَدُ خَمسينَ جَلدةً، فقال الرَّجُلُ: إنَّها لَم تُحصَنْ! أي: لأنَّ اللهَ تعالى إنَّما أمَرَ بإقامةِ الحَدِّ على الأمَةِ إذا أُحصِنَت، فقال سُبحانَه: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] .
فقال ابنُ مَسعودٍ: إسلامُها إحصانُها، أي: أنَّ مَعنى الإحصانِ هنا هو الإسلامُ، وليس التَّزويجَ.
وفي مَعنى الإحصانِ خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ التَّفسيرِ والفِقهِ.
وفي الحَديثِ سُؤالُ أهلِ العِلمِ عَمَّا أشكَلَ مِنَ المَسائِلِ.
وفيه أنَّه يَنبَغي على الإنسانِ ألَّا يُحَرِّمَ على نَفسِه الطَّيِّباتِ.
وفيه مَشروعيَّةُ إجابةِ السَّائِلِ بالدَّليلِ مِنَ القُرآنِ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّكفيرِ عنِ اليَمينِ.
وفيه فَضلُ إعتاقِ الرِّقابِ في كَفَّارةِ اليَمينِ لمَن كان موسِرًا.
وفيه أنَّه لا قَطعَ على العَبدِ إذا سَرَقَ مِن مالِ سَيِّدِه.
وفيه أنَّ الأمَةَ إذا زَنَت يُقامُ عليها الحَدُّ.
وفيه أنَّ للسَّيِّدِ إقامةَ الحُدودِ على عَبيدِه.
وفيه أنَّ إسلامَ الأمَةِ هو الإحصانُ بالنِّسبةِ لَها.
وفيه عِلمُ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه وبَيانُ فِقهِه .
المعجم الكبير للطبراني (9/ 340) 9693 - حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عارم أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، ثنا منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، أن ابن مقرن، سأل عبد الله بن مسعود ، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني حلفت أن لا أنام على فراشي سنة، " فتلا عبد الله هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [[المائدة: 87]] كفر يمينك ونم على فراشك "، قال: إني موسر، قال: أعتق رقبة
قال: عبدي سرق قباء عبدي، قال: مالك سرق بعضه بعضا أي لا قطع عليه
قال: أمتي زنت، قال: اجلدها، قال: إنها لم تحصن، قال: إسلامها إحصانها
التفسير من سنن سعيد بن منصور (4/ 1520) 773 - حدثنا سعيد قال: نا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عمرو بن شرحبيل، أن معقل بن مقرن، أتى عبد الله ، فقال: إنه حرم الفراش، فقال له عبد الله: " {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [[المائدة: 87]] إلى قوله {المعتدين} [[المائدة: 87]] ، أعتق رقبة، قال: إنما قرأت الآية البارحة، فأتيتك، قال: عبدي سرق من عندي قباء قال: " مالك سرق بعضه في بعض.
قال: أظنه ذكر أمتي زنت قال: اجلدها قال: إنها لم تحصن، قال: إحصانها إسلامها
تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (8/ 649) حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب قال: ثني جرير بن حازم، أن سليمان الأعمش حدثه، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن همام بن الحارث، أن نعمان بن مقرن سأل عبد الله بن مسعود فقال: إني حلفت أن لا أنام على فراشي سنة، فقال ابن مسعود: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [[المائدة: 87]] ، كفر عن يمينك ونم على فراشك، قال: بم أكفر عن يميني؟ قال: أعتق رقبة فإنك موسر ونحو هذا من الأخبار التي رويت عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما، فإن ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه بالتكفير به من الرقاب، لا على أنه كان لا يجزي عندهم التكفير للموسر إلا بالرقبة، لأنه لم ينقل أحد عن أحد منهم أنه قال لا يجزي الموسر التكفير إلا بالرقبة.
والجميع من علماء الأمصار قديمهم وحديثهم مجمعون على أن التكفير بغير الرقاب جائز للموسر، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بغيره