قلتُ لأبي ونحنُ بمنًى ما هذِهِ الجماعةُ قالَ هؤلاءِ قومٌ اجتمَعوا على صابئٍ لَهُم قالَ فأشرَفْنا فإذا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يدعو النَّاسَ قالوا يا رسولَ اللَّهِ تدعو النَّاسَ إلى توحيدِ اللَّهِ تعالى والإيمانِ بِهِ وهُم يردونَ عليهِ قَولَهُ ويؤذونَهُ حتَّى ارتفعَ النَّهارُ انصدعَ عنهُ النَّاسُ وأقبلتِ امرأةٌ قد بدا نحرُها تبكي تحملُ قدحًا فيه ماءً ومنديلًا فتناولَهُ مِنها وشرِبَ وتَوضَّأَ ثمَّ رفعَ رأسَهُ إليها فقالَ يا بُنَيَّةُ خمِّري عليكِ نحرَكِ ولا تخافي على أبيكِ غلبةً ولا ذُلًّا فقُلنا مَن هذِهِ قالوا هذِهِ زينبُ ابنتُهُ
أخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (2403)، والطبراني (22/432) (1052)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (11/407) واللفظ له
لمَّا بَعَثَ اللهُ رَسولَه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لدَعوةِ النَّاسِ لتَوحيدِ اللهِ تعالى، كَذَّبه قَومُه وآذَوه أشَدَّ الأذى، بالقَولِ والفِعلِ، وكانوا يُحَذِّرونَ النَّاسَ القادِمينَ إلى مَكَّةَ ويَقولونَ لَهم: احذَروا هذا الصَّابئَ، أي: الخارِجَ عن دينِ قَومِه؛ فقد كانتِ العَرَبُ تُسَمِّي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصَّابئَ، لأنَّه خَرَجَ مِن دينِ قُرَيشٍ إلى دينِ الإسلامِ.
ويُسَمُّونَ المُسلمينَ الصُّباةَ.
ومِمَّا جاءَ مِن قِصَّةِ دَعوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لقُرَيشٍ وإيذائِهم له ما حَكاه الحارِثُ بنُ الحارِثِ الأزديُّ الغامِديُّ رَضِيَ اللهُ عنه، وكانت له ولأبيه صُحبةٌ: أنَّه كان مَعَ والدِه في مِنًى، وهيَ أحَدُ مَشاعِرِ مَكَّةَ، فقال لوالدِه: ما هذه الجَماعةُ؟ أي: ما شَأنُ هؤلاء القَومِ مِن قُرَيشٍ اجتَمَعوا هنا.
فقال له والِدُه: هؤلاء قَومٌ اجتَمَعوا على صابئٍ لَهم.
يَقصِدُ بذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
يَقولُ الحارِثُ: فأشرَفْنا، أي: اطَّلَعنا حتَّى نَنظُرَ، فإذا برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدعو النَّاسَ إلى تَوحيدِ اللهِ تعالى والإيمانِ به، وهم يَرُدُّونَ عليه قَولَه، أي: قَومُه يَرُدُّونَ عليه ويُؤذونَه، حتَّى ارتَفعَ النَّهارُ، أي: صارَتِ الشَّمسُ في وسَطِ السَّماءِ، انصَدَعَ، أي: تَفَرَّق عنه النَّاسُ، ثُمَّ أقبَلَت، أي: جاءَتِ امرَأةٌ قد بَدا، أي: ظَهَرَ نَحرُها، والنَّحرُ: أعلى الصَّدرِ مَوضِعُ القِلادةِ والعِقدِ، وهيَ تَبكي، تَحمِلُ قَدَحًا، أي: إناءً فيه ماءٌ، ومِنديلًا، فتَناولَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنها، وشَرِبَ وتَوضَّأ، ثُمَّ رَفعَ رَأسَه إليها، فقال: يا بُنَيَّةُ خَمِّريّ، أي: غَطِّي عليك نَحرَكِ، ولا تَخافي على أبيك غَلَبةً، أي: قَهرًا، ولا ذُلًّا، أي: ضَعفًا ومَهانةً؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى ناصِرُه ومُعينُه.
فقُلْنا: مَن هذه؟ أي: مَن هذه المَرأةُ التي أحضَرَت له الماءَ والمَنديلَ.
فقالوا: هذه زَينَبُ ابنَتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانت دَعوتُه إلى تَوحيدِ اللهِ والإيمانِ به.
وفيه إيذاءُ المُشرِكينَ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه صَبرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على دَعوةِ قَومِه.
وفيه شَفقةُ زَينَبَ رَضِيَ اللهُ عنها على أبيها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه الأمرُ بتَغطيةِ المَرأةِ لنَحرِها.
وفيه أنَّه لا خَوفَ ولا ذِلَّةَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
[الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم] (4/ 364) :
2403 - حدثنا، هشام بن عمار، نا الوليد بن مسلم، نا، عبد الغفار بن إسماعيل بن عبد الله، نا، الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، حدثني الحارث بن الحارث الغامدي ، قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء قوم اجتمعوا على صابئ لهم قال: فتشرفنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل والإيمان به حتى ارتفع النهار فتصدع عنه الناس، وأقبلت امرأة قد بدا نحرها تبكي تحمل قدحا ومنديلا فناولته منها فشرب وتوضأ ثم رفع رأسه إليها فقال: يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلا فقلت: من هذه؟ قالوا: هذه زينب ابنته "
[المعجم الكبير للطبراني] (22/ 432) :
1052 - حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، ثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا عبد الغفار بن إسماعيل بن عبيد الله، ثنا الوليد بن عبد الرحمن الحرشي، ثنا الحارث بن الحارث الغامدي ، قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة؟، قال: هؤلاء قوم اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فأشرفت فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به حتى ارتفع النهار وتصدع عنه الناس، فإذا امرأة قد بدا نحرها تحمل قدحا ومنديلا فتناوله منها فشرب وتوضأ ثم رفع رأسه إليها، فقال: يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلا ، فقلت: من هذه؟، قالوا: هذه زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
[تاريخ دمشق لابن عساكر] (11/ 407) :
أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي وأبو محمد السلمي قالا أنبأنا عبد الدائم بن الحسن القطان أنبأنا عبد الوهاب الكلابي نبأنا أبو بكر محمد بن خريم نبأنا هشام بن عمار نبأنا الوليد بن مسلمة أنبأنا عبد الجبار بن إسماعيل المخزومي نبأنا الوليد بن عبد الرحمن الجرشي حدث الحارث بن الحارث الغامدي قال قلت لأبي ونحن بمنى ما هذه الجماعة قال هؤلاء قوم اجتمعوا على صابئ لهم قال فأشرفنا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس قالوا يا رسول الله تدعو الناس إلى توحيد الله تعالى والإيمان به وهم يردون عليه قوله ويؤذونه حتى ارتفع النهار وانصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها تبكي تحمل قدحا فيه ماء ومنديلا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه إليها فقال يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك غلبة ولا ذلا فقلنا من هذه قالوا هذه زينب ابنته