قرأ رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فغير عليه ، فقال : لقد قرأت على رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم فلم يغير علي ، قال : فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول اللهِ ! ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال : بلى ! قال : فوقع في صدر عمر شيء ، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في وجهه ، قال : فضرب صدره ، وقال : ابعد شيطانا ، قالها ثلاثا ، ثم قال : يا عمر ، إن القرآن كله صواب ، ما لم تجعل رحمة عذابًا ، أو عذابًا رحمة

الدلالات الموضوعية:# قرآن - الاختلاف والمراء في القرآن# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - اختصام المؤمنين إليه صلى الله عليه وسلم وحكمه عليهم# قرآن - ما جاء أن القرآن ذو وجوه# إيمان - الدين يسر# قرآن - نزول القرآن
المصدر: تفسير الطبري
الراوي: أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل
المحدث: ابن جرير الطبري
الحكم:ثابت

الشرح والتوضيح

نَزَل القُرآنُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على سَبعةِ أحرُفٍ؛ وذلك تخفيفًا وتسهيلًا على الأمَّةِ في قِراءَتِه، وقدِ اختَلف العُلماءُ في بَيانِ ومَعنى هذه الأحرُفِ السَّبعةِ، ولكِنْ كُلُّها مُتَقارِبةٌ في المَعنى، وإنَّما الاختِلافُ في اللَّفظِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُقرِئُ بَعضَ أصحابِه بأحَدِ تلك الحُروفِ، والبَعضَ الآخَرَ بحَرفٍ آخَرَ، وهَكَذا؛ تَيسيرًا وتَخفيفًا عليهم، فكان بَعضُ الصَّحابةِ إذا سَمِعَ قِراءةَ صاحِبِه استَنكَرَ ذلك ويَقولُ: لَم يُقرِئْني رَسولُ اللهِ هكذا؛ مِمَّا يُؤَدِّي به إلى وُقوعِ شَيءٍ في نَفسِه، ومِن ذلك ما جاءَ في قِصَّةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَجُلًا قَرَأ عِندَه القُرآنَ، فغَيَّر عليه، أي: أرادَ عُمَرُ تَحويلَه عن هذه القِراءةِ إلى قِراءةٍ أُخرى، والتَّغَيُّرُ التَّحَوُّلُ، وكَأنَّ عُمَرَ أخَذَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه القِراءةَ على وجهٍ آخَرَ؛ ولذا تَعجَّب مِن قِراءةِ الرَّجُلِ! فقال الرَّجُلُ: لَقد قَرَأتُ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلَم يُغَيِّرْ عَلَيَّ، أي: لَم يَرُدَّ عليَّ وأقَرَّني عليها.

فاختَصَمَ عُمَرُ والرَّجُلُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا وصَلا إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال عُمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، ألَم تُقرِئْني آيةَ كَذا وكَذا؟ فقال رَسولُ اللهِ: بَلى، أي: نَعَم، قد أقرَأتُكها كذلك على خِلافِ قِراءةِ الرَّجُلِ.

فوقَعَ في صَدرِ عُمَرَ شَيءٌ، أي: وقَعَ في صَدرِه شَكٌّ ورَيبٌ مِنَ القُرآنِ لوُجودِ الاختِلافِ فيه، فعَرَف النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك في وجهِه، أي: في وَجهِ عُمَرَ.

والمَعنى: أنَّه ظَهَرَت للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَلاماتٌ عَرَف ما وقَعَ لعُمَرَ، فضَرَبَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على صَدرِ عُمَرَ، وقال له: ابعَدْ شَيطانًا! وهو دُعاءٌ على الشَّيطانِ بالبَعَدِ، وهو الهَلاكُ واللَّعنُ، والمَعنى: أذهَب اللَّهُ عنك وساوِسَ الشَّيطانِ وشَكَّه، قالها ثَلاثًا، ثُمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا عُمَرُ، إنَّ القُرآنَ كُلَّه صَوابٌ، ما لَم تَجعَلْ رَحمةً عَذابًا، أو عَذابًا رَحمةً، أي: أنَّ اختِلافَ الأحرُفِ في القُرآنِ كُلُّه صَوابٌ؛ فهو كذلك أُنزِلَ، فيَصِحُّ أن تَقرَأ بأيِّ حَرفٍ مِنها ما لَم تُغَيِّرْ مَعنى آيةٍ بأن تَجعَلَ مَكانَ آيةِ العَذابِ رَحمةً، أو تَجعَلَ مَكانَ آيةِ الرَّحمةِ عَذابًا.

بأن يَقرَأَ بَعدَ قَولِه: إنَّ الذينَ كَفَروا.

أولئك أصحابُ الجَنَّةِ، أوِ العَكسَ.

وفي الحَديثِ بَيانُ اختِلافِ الأحرُفِ في القُرآنِ.

وفيه أنَّ الصَّحابةَ كانوا يقرؤون القُرآنَ بعِدَّةِ أحرُفٍ.

وفيه مَشروعيَّةُ الرُّجوعِ إلى الإمامِ عِندَ وُجودِ التَّنازُعِ.

وفيه أنَّ الشَّكَّ الطَّارِئَ قد يَقَعُ مِن بَعضِ الأفاضِلِ.

وفيه خَفاءُ بَعضِ العِلمِ على بَعضِ الصَّحابةِ.

وفيه دَلالةٌ مِن دَلائِلِ النُّبوَّةِ حَيثُ عَرَف النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما وقَعَ لعُمَرَ.

وفيه شَفَقةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أصحابِه.

وفيه دُعاءُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه.

وفيه مَشروعيَّةُ تَكرارِ الدُّعاءِ.

وفيه مَشروعيَّةُ الضَّربِ على الصَّدرِ.

وفيه مَشروعيَّةُ قِراءةِ القُرآنِ بأيِّ حَرفٍ مِنَ الحُروفِ ما لَم يَكُنْ هناكَ تَغييرٌ للمَعنى .

أحاديث ذات صلة