عن أبي أيُّوبَ؛ أنَّهُ كانَ يأمرُ بالمَسحِ على الخفَّينِ ، وَكانَ هوَ يغسِلُ قَدَميهِ، فقيلَ لَهُ في ذلِكَ: كيفَ تأمرُ بالمسحِ وأنتَ تغسِلُ ؟ فقالَ: بِئسَ ما لي إن كانَ مَهْناةً لَكُم ومأثَمُهُ عليَّ، قَد رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يَفعلُهُ ويأمرُ بِهِ، ولَكِن حُبِّبَ إليَّ الوضوءُ .
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (1865) واللفظ له، والشاشي في ((المسند)) (1115)، والبيهقي (1448) باختلاف يسير.
جاءَتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ بالتَّيسيرِ والتَّرخيصِ في كَثيرٍ مِن أحكامِ العِباداتِ؛ وذلك رَفعًا للحَرَجِ الذي قد يَقَعُ على المُكَلَّفينَ، ومِنَ الرُّخصِ في الوُضوءِ المَسحُ على الخُفَّينِ، وهما ما يُلبَسُ على الرِّجلِ مِن جِلدٍ؛ فإنَّ الأصلَ هو غَسلُ القدَمَينِ في الوُضوءِ، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] ، ولَكِن رُخِّصَ لمَن كان لابسًا للخُفَّينِ أن يَمسَحَ عليهما، وَفقَ شُروطٍ مُحَدَّدةٍ.
ويَكونُ المَسحُ بإمرارِ اليَدِ مُبَلَّلةً بقَليلٍ مِنَ الماءِ على الخُفِّ، والمَسحُ على الخُفَّينِ ثَبَتَت مَشروعيَّتُه بأحاديثَ كَثيرةٍ بَلَغَت حَدَّ التَّواتُرِ، ومِن ذلك أنَّ أبا أيُّوبَ الأنصاريَّ رَضيَ اللهُ عنه كان يَأمُرُ، أي: أصحابَه، بالمَسحِ على الخُفَّينِ، وكان هو يَغسِلُ قدَمَيه.
فقيلَ له في ذلك: كَيف تَأمُرُ بالمَسحِ وأنتَ تَغسِلُ؟! فقال: بئسَ ما لي -وهو فِعلٌ جامِعٌ لأنواعِ الذَّمِّ، وهو ضِدُّ نِعمَ في المَدحِ- إن كان مهناةً لكم، أي: فائِدةً وهناءً، ومَأثَمُه، أي: وِزرُه عَلَيَّ! والمَعنى: أنَّه يَقولُ: إنَّ مَسحَكُم على الخُفَّينِ فائِدةٌ لَكُم وتَرخيصٌ وتَخفيفٌ، ومَشَقَّةُ وُضوئي وعَدَمُ مَسحي على الخُفَّينِ يَكونُ عليَّ وليس عليكم! ثُمَّ بَيَّن رَضيَ اللهُ عنه مُستَنَدَه في الرُّخصةِ في المَسحِ على الخُفَّينِ، فقال: قد رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَفعَلُه ويَأمُرُ به، أي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَمسَحُ على خُفَّيه وكان يَأمُرُ بالمَسحِ على الخُفَّينِ، ولَكِن حُبِّبَ إليَّ الوُضوءُ، أي: أنَّني أحِبُّ الوُضوءَ؛ فلذلك لا أمسَحُ على الخُفَّينِ، وليس ذلك عن كَراهةِ السُّنَّةِ أو رَغبةً عنها، وإنَّما حُبِّبَ إليه الوُضوءُ وغَسلُ القدَمَينِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ المَسحِ على الخُفَّينِ.
وفيه سُؤالُ العالِمِ عن عَدَمِ عَمَلِه ببَعضِ السُّنَنِ ليُعرَفَ سَبَبُ ذلك.
وفيه تَبيينُ العالِمِ لغَيرِه ما قد يَراه يُستَشكَلُ مِن أمرِه .
مصنف ابن أبي شيبة - ترقيم عوامة (1/ 176) 1865- حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا منصور ، عن ابن سيرين ، عن أفلح مولى أبي أيوب ، عن أبي أيوب ؛ أنه كان يأمر بالمسح على الخفين ، وكان هو يغسل قدميه ، فقيل له في ذلك : كيف تأمر بالمسح وأنت تغسل ؟ فقال : بئس ما لي إن كان مهنأة لكم ومأثمه علي ، قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ويأمر به ، ولكن حبب إلي الوضوء.
[المسند للشاشي] (3/ 66) :
1115 - حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، نا أبو الربيع الزهراني، نا هشيم، أنا منصور، عن محمد بن سيرين، عن أفلح، مولى أبي أيوب ، عن أبي أيوب ، أنه كان يأمرنا بالمسح على الخفين ويغسل هو قدميه فقيل له: كيف تأمرنا بالمسح وأنت تغسل؟ فقال: بئس ما لي إن كان مهناة لكم ومأثمة علي، رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعله ويأمر به ، ولكني امرؤ حبب إلي الوضوء.
السنن الكبرى للبيهقي - دائرة المعارف (1/ 293) 1448- أخبرنا أبو زكريا : يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى حدثنا أحمد بن سلمان الفقيه حدثنا إبراهيم بن إسحاق حدثنا عمرو بن عون حدثنا هشيم عن منصور ح وأخبرنا أبو الحسن المقرئ أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب القاضى حدثنا أبو الربيع الزهرانى حدثنا هشيم حدثنا منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أفلح مولى أبى أيوب عن أبى أيوب : أنه كان يأمر بالمسح على الخفين ، وكان يغسل هو قدميه فقيل له في ذلك : كيف تأمر بالمسح وأنت تغسل؟ فقال : بئس ما لى ، إن كان مهنأة لكم ومأثمة على ، قد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله ويأمر به ، ولكنى امرؤ حبب إلى الوضوء.
لفظ حديث الزهرانى.