أتَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في رَهْطٍ مِن مُزَيْنةَ فبايَعْناه، وإنَّ قَميصَه لَمُطْلَقٌ.
قال: فبايَعْناهُ، ثمَّ أدخَلْتُ يدي في جَيبِ قَميصِه فمَسِسْتُ الخاتَمَ.
قال عُرْوةُ: فما رأيْتُ مُعاويةَ ولا ابنَه -قال حسَنٌ: يعني: أبا إياسٍ- في شِتاءٍ قَطُّ ولا حَرٍّ إلَّا مُطْلِقي أَزْرارِهما، لا يَزُرَّانِه أبدًا.
أخرجه أبو داود (4082)، وابن ماجه (3578)، وأحمد (15581) واللفظ له
يَقولُ اللهُ تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] أي: قُدوةٌ حَسَنةٌ؛ فهو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَيرُ أُسوةٍ لأُمَّتِه، وكان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم مِن أشَدِّ النَّاسِ اقتِداءً وتَأسِّيًا بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في جَميعِ أُمورِه وأحوالِه، حَتَّى فيما يَتَعَلَّقُ بكَيفيَّةِ لِباسِه، فكان الواحِدُ مِنهم يَحرِصُ أن تَكونَ طَريقةُ لباسِه وكَيفيَّتُه كما لَبِسَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقد كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا لَبِسَ قَميصًا فكَّ أزرارَ القَميصِ، يَقولُ قُرَّةُ بنُ إياسٍ المُزَنيُّ رَضيَ اللهُ عنه، وهو جَدُّ إياسِ بنِ مُعاويةَ، القاضي المَشهورِ بالذَّكاءِ: أتَيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في رَهطٍ، أي: جَماعةٍ مِنَ الرِّجالِ ما دونَ العَشَرةِ، مِن مُزَينةَ، أي: مِن قَبيلةِ مُزَينةَ مِن قَبائِلِ مُضَرَ، فبايَعْناه، أي: بايَعوه على الإسلامِ، ثُمَّ أخبَرَ قُرَّةُ عن كَيفيَّةِ قَميصِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: وإنَّ قَميصَه، أي: النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لمُطلَقٌ، أي: مَفتوحٌ غَيرُ مَزرورةٍ أزرارُه.
والمَعنى: أنَّ قَميصَه كان مَفتوحًا واسِعًا، ولَم يَكُنْ مَشدودَ الأزرارِ، والأزرارُ: جَمعُ زِرٍّ: وهو ما تَعَلَّق بالعُروةِ، والعُروةُ: حَلقةُ الجَيبِ، وكانت عادةُ العَرَبِ أن تَكونَ جُيوبُهم واسِعةً، فرُبَّما يَشُدُّونَه ورُبَّما يَترُكونَه مَفتوحًا.
فبايَعوه، ثُمَّ أدخَلَ قُرَّةُ يَدَه في جَيبِ قَميصِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وجَيبُ القَميصِ: هو الفتحةُ التي يَخرُجُ مِنها الرَّأسُ، فمَسِستُ الخاتَمَ، أي: خاتَمَ النُّبوَّةِ تَبَرُّكًا به.
يَقولُ عُروةُ، وهو عُروةُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ قُشَيرٍ، راوي الحَديثِ عن مُعاويةَ بنِ قُرَّةَ: فما رَأيتُ مُعاويةَ، أي: مُعاويةَ بنَ قُرَّةَ، ولا ابنَه، أي: أبا إياسٍ، في شِتاءٍ قَطُّ ولا حَرٍّ، إلَّا مُطلِقَي أزرارِهما، لا يَزُرَّانِه أبَدًا، أي: أنَّهما كانا في جَميعِ الأوقاتِ -في الشِّتاءِ في شِدَّةِ البَردِ، أو في الصَّيفِ في شِدَّةِ الحَرِّ- مُطلِقَي أزرارِ القَميصِ؛ اقتِداءً بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وتَأسِّيًا به.
وفي الحَديثِ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَلبَسُ القَميصَ.
وفيه بَيانُ إطلاقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأزرارِ قَميصِه.
وفيه حِرصُ الصَّحابةِ على الاقتِداءِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كَيفيَّةِ لُبسِه.
وفيه تَمَسُّكُ التَّابعينَ فمَن بَعدَهم باتِّباعِ السُّنَّةِ والمُداوَمةِ عليها مَهما استَطاعوا .
[سنن أبي داود] (4/ 97 ط مع عون المعبود) 4082- حدثنا النفيلي وأحمد بن يونس قالا: نا زهير، نا عروة بن عبد الله قال ابن نفيل: ابن قشير أبو مهل الجعفي، نا معاوية بن قرة، نا أبي قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة، فبايعناه، وإن قميصه لمطلق الأزرار قال: فبايعناه، ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم قال عروة: فما رأيت معاوية، ولا ابنه قط إلا مطلقي أزرارهما في شتاء ولا حر، ولا يزرران أزرارهما أبدا))
[سنن ابن ماجه] (2/ 1184 ) 3578- حدثنا أبو بكر قال: حدثنا ابن دكين، عن زهير، عن عروة بن عبد الله بن قشير قال: حدثني معاوية بن قرة، عن أبيه قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته وإن زر قميصه لمطلق)) قال عروة: ((فما رأيت معاوية ولا ابنه في شتاء ولا صيف، إلا مطلقة أزرارهما))
[مسند أحمد] (24/ 347 ط الرسالة) ((15581- حدثنا حسن- يعني الأشيب- وأبو النضر، قالا: حدثنا زهير، عن عروة بن عبد الله بن قشير، عن معاوية بن قرة، عن أبيه.
قال أبو النضر في حديثه: حدثنا زهير، حدثنا عروة بن عبد الله بن قشير أبو مهل الجعفي، قال: حدثني معاوية بن قرة، عن أبيه ، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من مزينة، فبايعناه وإن قميصه لمطلق، قال: فبايعناه، ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم.
قال عروة: فما رأيت معاوية ولا ابنه- قال حسن: يعني أبا إياس- في شتاء قط ولا حر إلا مطلقي أزرارهما لا يزرانه أبدا ))