عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنْهما أنَّهُ قال: لا تتَّخِذوا رجبًا عيدًا ترونَهُ حتمًا مثلَ شهرِ رمضانَ إذا أفطرتُم منْهُ صمتُم وقضيتُموهُ
جَعَلَ اللهُ تعالى عِدَّةَ شُهورِ السَّنةِ اثنَي عَشَرَ شَهرًا مِن حينِ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، وخَصَّ بَعضَ هذه الشُّهورِ بمَزيَّةٍ على بَقيَّةِ الشُّهورِ، فقال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36] .
وهذه الأشهرُ الأربَعةُ هيَ ذو القَعدةِ وذو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبٌ.
ولبَعضِ هذه الأشهُرِ فضائِلُ مُعَيَّنةٌ؛ فشَهرُ ذي القَعدةِ وذي الحِجَّةِ هما مِن أشهُرِ الحَجِّ، وشَهرُ المُحَرَّمِ كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُكثِرُ مِن صَومِه، وفيه يَومُ عاشوراءَ الذي صيامُه يُكَفِّرُ ذُنوبَ سَنةٍ، وأمَّا شَهرُ رَجَبٍ فقد أكثَرَ النَّاسُ فيه مِنَ البدَعِ والمُحْدَثاتِ سَواءٌ مِن صَلَواتٍ أو صَلاةٍ مُعَيَّنةٍ أو صيامٍ أو غَيرِها مِنَ الأعمالِ، مَعَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَم يَكُنْ يَخُصُّ شَهرَ رَجَبٍ بشَيءٍ مِنَ العِباداتِ والطَّاعاتِ، ولَم يَصِحَّ في فَضلِ رَجَبٍ وفي الصَّلاةِ فيه وفي صيامِه عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَيءٌ؛ ولهذا نهى كَثيرٌ مِنَ الصَّحابةِ ومَن بَعدَهم عَن تَخصيصِ شَهرِ رَجَبٍ بشَيءٍ مِنَ العِباداتِ، كالصِّيامِ وجَعْلِ صيامِه كصيامِ رَمَضانَ حَتمًا لازِمًا، ومَن أفطَرَ فيه قَضاه؛ ولهذا يَقولُ عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما: لا تَتَّخِذوا رَجَبًا، أي: شَهرَ رَجَبٍ، عيدًا، أي: تَعتادونَ العِبادةَ كُلَّما جاءَ، والعيدُ: اسمٌ لكُلِّ ما يَعودُ، تَرَونَه حَتمًا، أي: لازِمًا وفرضًا، مِثلَ شَهرِ رَمَضانَ، إذا أفطَرتُم مِنه، أي: مِن رَجَبٍ، صُمتُم وقَضَيتُموه! أي: أنَّكُم تَصومونَ شَهرَ رَجَبٍ فإذا أفطَرتُم فيه رَأيتُم أنَّه يَلزَمُ عليكُمُ القَضاءُ.
وهذا لا يَكونُ للشُّهورِ إلَّا لشَهرِ رَمَضانَ.
وفي الحَديثِ النَّهيُ عَن جَعلِ شَهرِ رَجَبٍ مِثلَ شَهرِ رَمَضانَ في تَحَتُّمِ صيامِه وقَضاءِ مَن أفطَرَ فيه .