سأَل رجلٌ شُرَيحًا عنِ امرأةٍ نذرَتْ أن تَعتَكِفَ رجبَ ذلك العامَ في المسجدِ قال : وكان زيادٌ - أو ابنُ زيادٍ - نهَى النساءَ أن يعتكِفنَ في المسجدِ ، قال : فقال شُرَيحٌ ، إني لا أقولُ إنه في كتابِ اللهِ مُنَزَّلٌ ، ولا في سُنَّةٍ ماضيةٍ ، إنما هو رأيٌ ، تصومُ رجبَ ذلك العامَ ، فإذا أفطَرَتْ أفطَر معها كلَّ يومٍ مِسكينٌ ، أو أطعمَتْ كلَّ ليلةٍ مِسكينًا ، نُسُكانِ بنُسُكٍ واحدٍ ، يفعلُ اللهُ ما يَشاءُ
نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ النَّذرِ بأن يوجِبَ الشَّخصُ على نَفسِه أمرًا لَم يوجِبْه اللهُ تعالى عليه، ومَعَ ذلك فمَن نَذَرَ نَذرًا فإنَّه يَجِبُ عليه الوفاءُ بنَذرِه، ولَكِن قد يَنذِرُ الشَّخصُ أمرًا ثُمَّ لا يَستَطيعُ القيامَ به، فعليه أن يُكَفِّرَ عَن نَذرِه، ولمَّا لَم يَكُنْ هناكَ كَفَّارةٌ مُعَيَّنةٌ لبَعضِ صُوَرِ النَّذرِ كان العُلَماءُ يَجتَهدونَ في تَحديدِ نَوعِ الكَفَّارةِ، ومِن ذلك أنَّ امرَأةً نَذَرَت أن تَعتَكِفَ شَهرَ رَجَبٍ ذلك العامَ في المَسجِدِ.
وكان زيادٌ أوِ ابنُ زيادٍ، ولَعَلَّه الوالي في ذلك الوقتِ، قد نَهى النِّساءَ أن يَعتَكِفنَ في المَسجِدِ.
ففي رِوايةٍ أُخرى أنَّها قالت: إنِّي نَذَرتُ أن أعتَكِفَ في المَسجِدِ، وإنَّ السُّلطانَ يَمنَعُني.
فلَمَّا لَم تَستَطِعْ هذه المَرأةُ وفاءَ نَذرِها سَألوا شُرَيحًا القاضيَ، وهو مِن فُضَلاءِ العُلَماءِ وولَّاه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه قَضاءَ الكوفةِ، سَألوه عَمَّا يَجِبُ على هذه المَرأةِ فِعلُه؟ فقال: إنِّي لا أقولُ إنَّه في كِتابِ اللهِ مُنَزَّلٌ، ولا في سُنَّةٍ ماضيةٍ، إنَّما هو رَأيٌ، أي: أنَّ قَولي فيما تَفعَلُه هذه المَرأةُ ليس هو في كِتابِ اللهِ المُنَزَّلِ ولا في سُنَّةِ رَسولِ اللهِ الماضيةِ على النَّاسِ جَميعًا، وإنَّما هو رَأيٌ واجتِهادٌ مِنِّي.
ثُمَّ بَيَّنَ ما يَجِبُ عليها، فقال: تَصومُ رَجَبًا ذلك العامَ، فإذا أفطَرَت أفطَرَ مَعَها كُلُّ يَومٍ مِسكينٌ، أو أطعَمَت كُلَّ لَيلةٍ مِسكينًا، أي: تَجعَلُ مَكانَ نَذرِها بالاعتِكافِ الصِّيامَ والإطعامَ، فبَدَلَ أن تَعتَكِفَ تَصومُ شَهرَ رَجَبٍ، وتُطعِمُ مَعَها كُلَّ يَومٍ مِسكينًا، نُسُكانِ بنُسُكٍ واحِدٍ، أي: جَعَلْنا عليها نُسُكَينِ وهما الصَّومُ والإطعامُ مُقابِلَ نُسُكٍ واحِدٍ، وهو نَذرُ الاعتِكافِ في المَسجِدِ، يَفعَلُ اللهُ ما يَشاءُ، أي: يَقضي اللهُ ما يُريدُ.
وفي الحَديثِ بَيانُ حُكمِ شُرَيحٍ لمَن نَذَرَ اعتِكافَ شَهرٍ ولَم يستَطِعِ الوفاءَ بنَذرِه.
وفيه مَشروعيَّةُ الاجتِهادِ في الفتوى إذا لَم يَكُنْ فيها نَصٌّ مِن كِتابِ اللهِ ولا سُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه تَبيينُ المُفتي للمُستَفتي مَصدَرَ الفتوى، هَل هيَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ أم مِنِ اجتِهادِه ورَأيِه .