- عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنه بعَثَ رَهْطًا، وبعَثَ عليهم أبا عُبَيْدةَ، فلمَّا ذهَبَ لِينطلِقَ بكَى صَبابةً إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فجلَسَ، فبعَثَ عليهم عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ مَكانَه، وكتَبَ له كِتابًا، وأمَرَه ألَّا يَقرَأَ الكِتابَ حتى يبلُغَ مَكانَ كذا وكذا، وقال: لا تُكْرِهَنَّ أحَدًا من أصحابِكَ على المَسيرِ معك، فلمَّا قرَأَ الكِتابَ استرْجَعَ ، وقالَ: سَمْعٌ وطاعةٌ للهِ ولرَسولِه، فخبَّرَهم الخَبَرَ، وقرَأَ عليهم الكِتابَ، فرجَعَ رجُلانِ، ومضى بقِيَّتُهم، فلَقُوا ابنَ الحَضْرمِيِّ، فقَتَلوه، ولم يَدْروا أنَّ ذلك اليومَ من رجَبٍ أو جُمادَى، فقال المُشرِكونَ للمُسلِمينَ: قتَلْتُم في الشَّهْرِ الحَرامِ.
فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجَلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217] الآيةَ، فقال بَعضُهم: إنْ لم يكونوا أصابوا وِزْرًا فليس لهم أجْرٌ، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218].
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (2/ 162) (1670) واللفظ له، والنسائي في ((الكبرى)) (8752)، وأبو يعلى (1534) باختلاف يسير.
جَعَلَ اللهُ تعالى عِدَّةَ شُهورِ السَّنةِ اثنَي عَشَرَ شَهرًا مِن حينِ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، وخَصَّ بَعضَ هذه الشُّهورِ بمَزيَّةٍ بأن جَعلَها مُحَرَّمةً، أي: يَحرُمُ فيها القِتالُ، وتُعَظَّمُ فيها المُحرَّماتُ، وهيَ ذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ، فقال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] .
وقد كانت هذه الشُّهورُ مُعَظَّمةً عِندَ العَرَبِ، وكانوا يَمتَنِعونَ مِنَ القِتالِ فيها ويَرَونَ أنَّ مَن قاتَلَ فيها فقد أتى أمرًا كَبيرًا؛ ولهذا لمَّا وقَعَ مِن بَعضِ المُسلمينَ أنَّهم قَتَلوا في شَهرِ رَجَبٍ خَطَأً، وكانوا يَظُنُّونَ أنَّ ذلك اليَومَ هو تَكمِلةُ شَهرٍ جُمادى الآخِرةِ، استَنكَرَ عليهمُ المُشرِكونَ فِعلَ ذلك، فأنزَلَ اللَّهُ تعالى آياتٍ يُبَيِّنُ فيها أنَّ ما أنتُم عليه أيُّها المُشرِكونَ مِنَ الكُفرِ باللهِ والصَّدِّ عَنِ المَسجِدِ الحَرام وإخراجِ أهلِه مِنه أشَدُّ مِنَ القَتلِ في الشَّهرِ الحَرامِ، وفي هذا الحَديثِ ذِكرُ شَأنِ قِصَّةِ الصَّحابةِ الذينَ قَتَلوا في الشَّهرِ الحَرام، فقد بَعَثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَهطًا، أي: جَماعةً مِنَ الرِّجالِ ما دونَ العَشَرةِ، وبَعَثَ عليهم أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ رَضيَ اللهُ عنه، أي: جَعَلَه عليهم أميرًا، فلَمَّا ذَهَبَ أبو عُبَيدةَ ليَنطَلقَ بَكى صَبابةً، أي: شَوقًا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَلَسَ.
والمَعنى: أنَّ أبا عُبَيدةَ عِندَما أرادَ الخُروجَ تَذكَّر أنَّه سَوف يُفارِقُ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فبَكى شَوقًا للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجَلَسَ ولَم يَستَطِعِ الخُروجَ.
فبَعَثَ رَسولُ اللهِ على الرَّهطِ عبدَ اللهِ بنَ جَحشٍ رَضيَ اللهُ عنه بَدَلَ أبي عُبَيدةَ، وكُتُب لعَبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ كِتابًا، وأمَره ألَّا يَقرَأَ الكِتابَ حَتَّى يَبلُغَ مَكانَ كَذا وكَذا، أي: مَوضِعًا حَدَّدَه له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وقال له: لا تُكرِهَنَّ أحَدًا مِن أصحابِك على المَسيرِ مَعَك، أي: مَن أرادَ الخُروجَ فيَكونُ خُروجُه عَن رَغبةٍ وطَواعيةٍ بدونِ إكراهٍ مِنك له، فلَمَّا وصَلَ عبدُ اللهِ بنُ جَحشٍ إلى المَكانِ الذي حَدَّدَه له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخرَجَ كِتابَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقَرَأه، فلَمَّا قَرَأه استَرجَعَ، أي: قال: إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجِعونَ، ثُمَّ قال: سَمعٌ وطاعةٌ للهِ ولرَسولِه، ثُمَّ أخبَرَ الذينَ مَعَه الخَبَرَ، وقَرَأ عليهمُ الكِتابَ، فرَجَعَ رَجُلانِ، أي: رَجَعا مِنَ الخُروجِ ومواصَلةِ المَسيرِ مَعَ عبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ، ومَضى بَقيَّتُهم مَعَ عبدِ اللهِ، فلَقوا ابنَ الحَضرَميِّ، وهو عَمرُو بنُ الحَضرَميِّ كان مُشرِكًا، فقَتَلوه، ولَم يَدروا أنَّ ذلك اليَومَ مِن رَجَبٍ أو جُمادى، أي: أنَّهمُ اشتَبَهَ عليهم هذا اليَومُ: هَل هو بدايةُ رَجَبٍ أم نِهايةُ جُمادى الآخِرةِ؟ فقَتَلوه مُتَأوِّلينَ وليسوا قاصِدينَ القَتلَ في الشَّهرِ الحَرام.
فلَمَّا سَمِعَ المُشرِكونَ بذلك قالوا للمُسلمينَ: قَتَلتُم في الشَّهرِ الحَرامِ! أي: استَعظَموا فِعلَ المُسلمينَ هذا، وأنَّهمُ استَباحوا الشَّهرَ الحَرامَ الذي كُلُّ قَبائِلِ العَرَبِ تُعَظِّمُه؛ فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] ، أي: أنَّ القَتلَ في الشَّهرِ الحَرامِ فِعلٌ كَبيرٌ ومُنكَرٌ، لَكِن ما أنتُم عليه أيُّها المُشرِكونَ مِنَ الصَّدِّ عَن سَبيلِ اللهِ ودينِه والكُفرِ باللهِ وبرَسولِه وإخراجِ المُسلمينَ مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ أعظَمُ وِزرًا مِن قَتلِ ابنِ الحَضرَميِّ في الشَّهرِ الحَرامِ.
فقال بَعضُهم، أي: بَعضُ المُسلمينَ كما في رِوايةٍ أُخرى: إن لَم يَكونوا أصابوا وِزرًا، أي: إثمًا، فلَيسَ لَهم أجرٌ! أي: في خُروجِهم في القِتالِ، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218] ، والمَعنى: أنَّ لَهمُ الأجرَ لكَونِهم خَرَجوا في سَبيلِ اللهِ يَرجونَ ما عِندَ اللهِ مِنَ الأجرِ، وما حَصَلَ مِنهم إنَّما وقَعَ عَن خَطَأٍ وليسوا مُتَعَمِّدينَ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ بَعثِ البُعوثِ للجِهادِ في سَبيلِ اللهِ.
وفيه مَشروعيَّةُ التَّأميرِ في الخُروجِ في الجِهادِ وفي غَيرِه.
وفيه فَضلُ أبي عُبَيدةَ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه فَضلُ عبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه شِدَّةُ حُبِّ أبي عُبَيدةَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ الكِتابةِ لأُمَراءِ الجُندِ.
وفيه عَدَمُ الإكراهِ على الخُروجِ في الجِهادِ.
وفيه التَّسليمُ لأمرِ اللهِ ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه بَيانُ عُذرِ الصَّحابةِ الذينَ قَتَلوا في الشَّهرِ الحَرامِ.
وفيه تَعظيمُ المُشرِكينَ للأشهُرِ الحُرُمِ.
وفيه حِرصُ المُشرِكينَ على أن يَجِدوا على المُسلمينَ شَيئًا يَعيبونَهم به.
وفيه بَيانُ سَبَبِ نُزولِ الآيَتَينِ الكَريمَتَينِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ...} و {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا...} .
[المعجم الكبير – للطبراني] (2/ 162) 1670 - حدثنا إبراهيم بن نائلة، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح أو عبيدة، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس فبعث عليهم عبد الله بن جحش مكانه، وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك ، فلما قرأ الكتاب استرجع ثم قال: سمع وطاعة لله ورسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله عز وجل: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] الآية، فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر فأنزل الله عز وجل: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم}
السنن الكبرى للنسائي (8/ 107) 8752 - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبي السوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه " بعث رهطا، فبعث عليهم أبا عبيدة، فلما أخذ لينطلق، لكنه بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رجلا مكانه يقال له عبد الله بن جحش وكتب كتابا، وأمره أن يتوجه وجها، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا، ولا تكرهن أحدا من أصحابك على السير معك فلما قرأ الكتاب استرجع ثم قال: سمعا وطاعة لله ورسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، فلم يدروا ذلك اليوم من رجب أم من جمادى الآخرة فقال المشركون للمسلمين: " فعلتم وفعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوه الحديث، فأنزل الله تبارك وتعالى {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] إلى قوله {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] الشرك "
مسند أبي يعلى الموصلي (3/ 102) 1534 - حدثنا عبد الأعلى بن حماد، حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، عن صاحب له وهو الحضرمي، عن أبي السوار يحدث عن جندب بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح، فلما أخذ ينطلق لكنه بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رجلا مكانه يقال له عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا، وأمره أن لا يكره أحدا من أصحابه على المسير معه، فلما قرأ الكتاب، استرجع، وقال: سمع وطاعة - يعني لله ورسوله - خبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي، فقتلوه ولم يدرك ذاك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: فعلتم كذا وكذا في الشهر الحرام، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثوه الحديث، فأنزل الله {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] إلى قوله {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217] قال: الشرك، قال بعض الذين كانوا في السرية: والله ما قتله إلا واحد، فإن يك خيرا، فقد وليته، وإن يك ذنبا فقد عملته، وقال بعض المسلمين إن لم يكونوا أصابوا في شهرهم هذا وزرا، فليس لهم فيه أجر، فأنزل الله {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم }