وكان ممَّا صنَعَ اللهُ لرسولِهِ: أنَّ الأَوْسَ والخَزْرجَ كانوا يَسمَعون مِن حلفائِهِ مِن يهودِ المدينةِ: أنَّ نبيًّا مِن الأنبياءِ مبعوثٌ في هذا الزمانِ، سيخرُجُ فنتَّبِعُه ونقتُلُكم معه قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، وكانت الأنصارِ يحُجُّون البيتَ كما كانت العرَبُ تحُجُّه دون اليهودِ، فلمَّا رأى الأنصارُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يدعو الناسَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وتأمَّلوا أحوالَه، قال بعضُهم لبعضٍ: تَعلَمون واللهِ يا قومِ أنَّ هذا الذي توعَّدَكم به يهُودُ، فلا يَسبِقُنَّكم إليه.
وكان سُوَيدُ بنُ الصامتِ مِن الأَوْسِ قد قَدِم مكَّةَ، فدعَاه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلم يُبعِدْ ولم يُجِبْ حتى قَدِم أنَسُ بنُ رافعٍ أبو الحَيْسَرِ في فِتْيةٍ مِن قومِه مِن بني عبدِ الأشهَلِ يطلُبون الحِلْفَ، فدعَاهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الإسلامِ، فقال إيَاسُ بنُ مُعاذٍ -وكان شابًّا حدَثًا-: يا قومِ، هذا واللهِ خيرٌ ممَّا جِئْنا له، فضرَبه أبو الحَيْسَرِ وانتهَره، فسكَت، ثم لم يَتِمَّ لهم الحِلْفُ، فانصرَفوا إلى المدينةِ.
أخرجه الطبري في ((التفسير)) (7586) بلفظ مقارب.
لمَّا بَعَثَ اللهُ تعالى نَبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذا الدِّينِ وأمرَه بتَبليغِه، دَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَومَه إلى الإسلامِ، وبَلَّغَهم هذا الدِّينَ، فكَذَّبوه وآذَوه، ولَم يَستَجِبْ له مِنهم إلَّا القَليلُ وغالِبُهم مِنَ الضُّعَفاءِ، فلمَّا أرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إظهارَ دينِه، وإعزازَ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنجازَ مَوعِدِه له، أيَّدَه سُبحانَه بالأنصارِ فأسلَموا، وذلك أنَّ مِمَّا صَنَعَه اللَّهُ لرَسولِه، أي: مِمَّا هَيَّأه اللهُ تعالى للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى جَعَلَ الأنصارَ يُسلِمونَ: أنَّ الأوسَ والخَزرَجَ كانوا يَسمَعونَ مِن حُلَفائِهم مَن يَهودِ المَدينةِ أنَّ نَبيًّا مِنَ الأنبياءِ مَبعوثٌ في هذا الزَّمانِ سيَخرُجُ فنَتَّبِعُه، أي: اليَهودُ، ويَعتَقِدونَ أنَّ نَبيَّ آخِرِ الزَّمانِ مِنهم، ونَقتُلُكم مَعَه -يَقصِدونَ الأوسَ والخَزرَجَ- قَتْلَ عادٍ وإرَمَ.
وهيَ مِنَ الأُمَمِ السَّابقةِ، عُذِّبوا عَذابًا شَديدًا.
ومَقصودُ اليَهودِ بذلك أنَّهم يُريدونَ قَتلَ العَرَبِ ومِنهمُ الأوسُ والخَزرَجُ قَتلًا شَديدًا لا يُبقونَ مِنهم أحَدًا بحَيثُ يَستَأصِلونَهم كُلَّهم.
وكانتِ الأنصارُ يَحُجُّونَ البَيتَ كما كانتِ العَرَبُ تَحُجُّه دونَ اليَهودِ، فلَمَّا رَأى الأنصارُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدعو النَّاسَ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ وتَأمَّلوا أحوالَه، وذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَستَغِلُّ مَواسِمَ الحَجِّ فيَتَلَقَّى النَّاسَ ويَدعوهم إلى الإسلامِ.
ولمَّا رَآه الأنصارُ وتَأمَّلوا سيرَتَه وحَياتَه واستِقامَتَه وما يَدعو إليه مِن خِصالِ الخَيرِ، تَوقَّعوا أنَّ هذا الرَّسولَ هو الذي تَتَحَدَّثُ عَنه اليَهودُ، فقال بَعضُهم لبَعضٍ: تَعلَمونَ واللَّهِ يا قَومُ أنَّ هذا الذي تَوعَّدَكُم به يَهودُ! أي: يَقولونَ: إنَّه سَيَخرُجُ نَبيٌّ في آخِرِ الزَّمانِ ونَتَّبِعُه ونُقاتِلُكم، فلا يَسبقَنَّكُم إليه، أي: هَلُمُّوا فلنُؤمِنْ به قَبلَ أن يَسبِقَنا اليَهودُ إليه.
وكان سُوَيدُ بنُ الصَّامِتِ مِنَ الأوسِ قد قدِمَ مَكَّةَ، فدَعاه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَم يُبعِدْ ولَم يُجِبْ، أي: لَم يُكَذِّبْ بما دَعا إليه النَّبيُّ ولَكِنَّه أيضًا لَم يُؤمِنْ، ثُمَّ قَدِمَ أنَسُ بنُ رافِعٍ أبو الحيسَرِ في فِتيةٍ مِن قَومِه مِن بَني عَبدِ الأشهَلِ يَطلُبونَ الحِلفَ، أي: النُّصرةَ مِن قُرَيشٍ على قَومِهم مِنَ الخَزرَجِ، فلَمَّا سَمِعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّهم جاؤوا ذَهَبَ إليهم ودَعاهم إلى الإسلامِ، وكان مِمَّا قاله لَهم كما في رِوايةٍ أُخرى: هَل لَكم في خَيرٍ مِمَّا جِئتُم له؟ فقالوا له: وما ذاكَ؟ قال: أنا رَسولُ اللهِ بَعَثَني إلى العِبادِ، أدعوهم إلى أن يَعبُدوا اللَّهَ ولا يُشرِكوا به شَيئًا، وأنزَلَ عليَّ الكِتابَ.
قال: ثُمَّ ذَكَرَ لَهمُ الإسلامَ، وتَلا عليهمُ القُرآنَ، فقال إياسُ بنُ مُعاذٍ، وكان شابًّا حَدَثًا، أي صَغيرًا: يا قَومِ، هذا واللَّهِ خَيرٌ مِمَّا جِئنا له، أي أنَّ ما دَعانا إليه رَسولُ اللهِ مِنَ الإسلامِ خَيرٌ مِن طَلَبِنا للحِلفِ الذي جِئْنا مِن أجلِه! فضَرَبَه أبو الحيسَرِ وانتَهَرَه، أي: وبَّخه، وفي رِوايةٍ أنَّه قال: دَعْنا مِنك فلَعَمْري لَقد جِئنا لغَيرِ هذا! فسَكَتَ إياسٌ، ثُمَّ إنَّهم لَم يَتِمَّ لَهمُ الحِلفُ، فانصَرَفوا إلى المَدينةِ.
وقد كان مِن أمرِ إياسِ بنِ مُعاذٍ أنَّهم لَم يَزالوا يَسمَعونَه يُهَلِّلُ اللَّهَ تعالى ويُكَبِّرُه ويَحمَدُه ويُسَبِّحُه حَتَّى ماتَ، فما كانوا يَشُكُّونَ أنْ قد ماتَ مُسلِمًا.
وفي الحَديثِ بَيانُ تَهيِئةِ اللهِ تعالى الأنصارَ لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه إقرارُ اليَهودِ بنَبيٍّ يُبعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ.
وفيه شِدَّةُ بُغضِ اليَهودِ للأنصارِ.
وفيه أنَّ العَرَبَ كانت تَحُجُّ البَيتَ قَبلَ الإسلامِ.
وفيه ذَكاءُ إياسِ بنِ مُعاذٍ وفِطنَتُه .
تفسير الطبري (7/ 79) 7586- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل: أن محمود بن لبيد ، أحد بني عبد الأشهل قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجلس إليهم فقال"هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ " قالوا: وما ذاك؟ قال:"أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب.
ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له! قال: فيأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا! قال: فصمت إياس بن معاذ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج.
قال.
ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك.
قال: فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم.
فبينا هو عند العقبة، إذ لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا