إنَّ النَّاسَ تفرَّقوا عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ لَيلةَ الأحزابِ ، فلَم يبقَ معَه إلَّا اثنا عشرَ رجلًا ، فأتاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ وأنا جاثمٌ مِن البردِ فقال : يا ابنَ اليمانِ ، قُم فانطلقْ إلى عسكرِ الأحزابِ فانظرْ إلى حالِهم .

قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، والَّذي بعثَكَ بالحقِّ ما قُمتُ إليكَ إلَّا حياءً من البردِ قال رضيَ اللهُ عنهُ : وبردُ الحرَّةِ وبردُ ( الصَّبَخَةِ ) قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : انطلِقْ يا ابنَ اليمانِ ، فلا بأسَ عليكَ من بردٍ ولا حرٍّ حتَّى ترجعَ إليَّ .

قال : فانطلقتُ حتَّى آتيَ عسكرَهُم ، فوجدتُ أبا سفيانَ يُوقِدُ النَّارَ في عُصبةٍ حَولَهُ وقد تفرَّقَ عنهُ الأحزابُ ، فجئتُ حتَّى أجلسَ فيهِم ، فحسَّ أبو سفيانَ أنَّه قد دخلَ فيهِم من غيرِهم ؛ فقال : ليأخُذْ كلُّ رجلٍ بيدِ جليسِه .

قال : فضربتُ بيَميني على الَّذي عن يَميني فأخذتُ بيدِهِ ، وضربتُ بشِمالي على الَّذي عن يَساري فأخذتُ بيدِه ، فكنتُ فيهِم هُنَيَّةً ثمَّ قمتُ ، فأتَيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ وهوَ قائمٌ يُصلِّي فأومأَ إليَّ بيدِه أن ادْنُ ، فدنَوتُ منهُ حتَّى أرسلَ عليَّ مِن الثَّوبِ الَّذي كان عليهِ ليُدفئَني ، فلمَّا فرغَ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ مِن صلاتِهِ قال : يا ابنَ اليمانِ ، اقعدْ ، ما خبرُ النَّاسِ ؟ قال : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، تفرَّقَ النَّاسُ عن أبي سفيانَ ، فلَم يَبْقَ إلَّا في عُصبةٍ تُوقِدُ النَّارَ ، وقد صبَّ اللهُ تعالى عليهِم من البردِ مثلَ الَّذي صبَّ علَينا ، ولكِنَّا نرجو مِن اللهِ ما لا يرجونَ

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - معجزات النبي# صلاة - العمل في الصلاة# مناقب وفضائل - حذيفة بن اليمان# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
المصدر: المطالب العالية
الراوي: حذيفة بن اليمان
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه الحاكم(4325 ) بنحوه، ومسلم (1788) بمعناه، وأحمد (23334) بمعناه مطولا.

الشرح والتوضيح

لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ واستَقَرَّ فيها، بَنى دَولةَ الإسلامِ، وبَنى المَسجِدَ، وآخى بَينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ، وبَدَأت حَياةُ الكِفاحِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، فبَدَأ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بغَزوِ الكُفَّارِ، ومِن تلك الغَزَواتِ غَزوةُ الأحزابِ في السَّنةِ الخامِسةِ للهِجرةِ عِندَما تَجمَّع المُشرِكونَ مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ وغَيرِهم على قِتالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان عَدَدُ المُسلمينَ قَليلًا وعَدَدُ الكُفَّارِ كَثيرًا، وكانت في أيَّامِ بَردٍ شَديدٍ، فعِندَ ذلك رَأى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ أفضَلَ خُطَّةٍ لقِتالِهم هيَ حَفرُ خَندَقٍ حَولَ المَدينةِ حَتَّى لا يَستَطيعَ الكُفَّارُ الدُّخولَ؛ فنَصَرَ اللهُ تعالى رَسولَه في هذه المَعرَكةِ وأيَّدَه بجُنودٍ مِن عِندِه، ومِمَّا جاءَ في أحداثِ هذه المَعرَكةِ ما حَكاه حُذَيفةُ بنُ اليَمانِ رَضيَ اللهُ عنه، فقال: إنَّ النَّاسَ تَفرَّقوا، أي: ذَهَبوا عَن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ الأحزابِ، فلَم يَبقَ مَعَه إلَّا اثنا عَشَرَ رَجُلًا، فأتاني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا جاثِمٌ مِنَ البَردِ، أي: مُلتَصِقٌ بالأرضِ لا أتَحَرَّكُ مِن شِدَّةِ البَردِ.

فقال رَسولُ اللهِ: يا ابنَ اليَمانِ، قُمْ فانطَلِقْ إلى عَسكَرِ الأحزابِ فانظُرْ إلى حالِهم، أي: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَلَّفه بأن يَذهَبَ ويَأتيَ بخَبَرِ الأحزابِ، وهذه مُهِمَّةٌ صَعبةٌ؛ لكَونِها في هذا البَردِ الشَّديدِ.

حَتَّى قال حُذَيفةُ: يا رَسولَ اللهِ، والذي بَعَثَك بالحَقِّ ما قُمتُ إليك إلَّا حَياءً مِنَ البَردِ، أي: لَم يَجعَلْني أقومُ وأتَحَرَّكُ مِن هذا المَكانِ مَعَ شِدَّةِ البَردِ إلَّا الحَياءُ مِنك يا رَسولَ اللهِ.

يَقولُ حُذَيفةُ: وبَردُ الحَرَّةِ.

والحَرَّةُ: أرضٌ بظاهرِ المَدينةِ بها حِجارةٌ سُودٌ كَثيرةٌ، وبَردُ الصَّبخةِ.

ويُقالُ السَّبخةُ: وهيَ الأرضُ التي تَعلوها المُلوحةُ ولا تَكادُ تُنبِتُ إلَّا بَعضَ الشَّجَرِ، والمَعنى: أنَّ البَردَ شَديدٌ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: انطَلِقْ يا ابنَ اليَمانِ، فلا بَأسَ عليك مِن بَردٍ ولا حَرٍّ حَتَّى تَرجِعَ إليَّ، أي: أنَّ اللَّهَ تعالى سيَكفيك أمرَ البَردِ أوِ الحَرِّ مُدَّةَ وُجودِك في هذه المُهمَّةِ التي ستَذهَبُ إليها.

ففي رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: فلَمَّا ولَّيتُ مِن عِندِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَعَلتُ كَأنَّما أمشي في حَمَّامٍ حَتَّى أتَيتُهم! يَعني: أنَّه لَم يَجِدِ البَردَ الذي يَجِدُه النَّاسُ ولا مِن تلك الرِّيحِ الشَّديدةِ شَيئًا، بَل عافاه اللهُ مِنه ببَرَكةِ إجابَتِه للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وذَهابِه فيما وجَّهَه له ودُعائِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم له، واستَمَرَّ ذلك اللُّطفُ به ومُعافاتُه مِنَ البَردِ حَتَّى عادَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا رَجَعَ ووصَلَ عادَ إليه البَردُ الذي يَجِدُه النَّاسُ.

قال حُذَيفةُ: فانطَلَقتُ حَتَّى أتَيتُ عَسكَرَ المُشرِكينَ، فوجَدتُ أبا سُفيانَ يوقِدُ النَّارَ في عُصبةٍ، أي: جَماعةٍ، حَولَه، وقد تَفرَّق عنه الأحزابُ، فجِئتُ حَتَّى أجلِسَ فيهم، فحَسَّ، أي: شَعَرَ أبو سُفيانَ أنَّه قد دَخَلَ فيهم مِن غَيرِهم.

فقال: ليَأخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بيَدِ جَليسِه، أي: حَتَّى يَتَأكَّدَ كُلُّ شَخصٍ مِمَّن بجِوارِه، فأسرَعَ حُذَيفةُ فأخَذَ بيَدِ مَن بجِوارِه حَتَّى لا يُكتَشَفَ أمرُه، يَقولُ: فضَرَبتُ بيَميني على الذي عَن يَميني فأخَذتُ بيَدِه، وضَرَبتُ بشِمالي على الذي عَن يَساري فأخَذتُ بيَدِه.

بحَيثُ إنَّ كُلَّ مَن عَن يَمينِه وشِمالِه يَذكُرُ اسمَه لحُذَيفةَ، ولا يَذكُرُ حُذَيفةُ اسمَه لَهم؛ لأنَّه هو الذي سَبَقَ وأخَذَ بأيديهم.

فكُنتُ فيهم هُنَيَّةً، أي: وقتًا قَليلًا، ثُمَّ قُمتُ فأتَيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو قائِمٌ يُصَلِّي فأومَأ، أي: أشارَ إليَّ بيَدِه أنِ ادنُ، أي: اقتَرِبْ، فدَنَوتُ مِنه حَتَّى أرسَلَ، أي: غَطَّى عليَّ مِنَ الثَّوبِ الذي كان عليه ليُدفِئَني، فلَمَّا فرَغَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن صِلاتِه قال: يا ابنَ اليَمانِ، اقعُدْ، ما خَبَرُ النَّاسِ؟ أي: المُشرِكينَ، فقال حُذَيفةُ: يا رَسولَ اللهِ، تَفَرَّق النَّاسُ عَن أبي سُفيانَ، أي: أنَّ الأحزابَ الذينَ أتَوا للقِتالِ مَعَ أبي سُفيانَ قد تَفرَّقوا عَنه ولَم يَبقَ إلَّا في عُصبةٍ، أي: جَماعةٍ قَليلةٍ توقِدُ النَّارَ، وقد صَبَّ اللهُ تعالى عليهم مِنَ البَردِ مِثلَ الذي صَبَّ علينا، ولَكِنَّا نَرجو مِنَ اللهِ ما لا يَرجونَ، أي: نَرجو نَحنُ فَضلَ اللهِ ومَغفِرَتَه وأن يَأجُرَنا على خُروجِنا في هذا البَردِ الشَّديدِ للقِتالِ في سَبيلِ اللهِ، وأمَّا هم فلا يَرجونَ مِنَ اللهِ شَيئًا.

وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ بَعثِ الجَواسيسِ والطَّلائِعِ لكَشفِ خَبَرِ العَدُوِّ.

وفيه مُعجِزةٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حَيثُ لَم يَشعُرْ حُذَيفةُ ببَردٍ ولا حَرٍّ أثناءَ ذَهابِه للمُشرِكينَ.

وفيه فَضلُ حُذَيفةَ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه تَفرُّقُ الأحزابِ عَن أبي سُفيانَ في هذه المَعرَكةِ.

وفيه ذَكاءُ حُذَيفةَ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه مَشروعيَّةُ الإشارةِ باليَدِ في الصَّلاةِ.

وفيه بَيانُ أنَّ الأُمورَ التي تَكونُ في الدُّنيا مِن حَرٍّ وبَردٍ ومَصائِبَ ونَحوِها يَشتَرِكُ فيها المُسلِمُ والكافِرُ، لَكِنَّ المُسلمَ يَرجو ما عِندَ اللهِ ويَحتَسِبُ ثَوابَه بخِلافِ الكافِرِ فلا شَيءَ له .

أحاديث ذات صلة