دخلتُ على طلحةَ – تعني ابنَ عُبَيدِ اللهِ - ، فرأيتُ منه ثِقَلًا ، فقلتُ له : مالَك ؟ ! لعلك رابَك منا شيءٌ فنَعتِبُك ؟ قال : لا ، ولَنعْمَ حليلةُ المرءِ المسلمِ أنت ، ولكن اجتمعَ عندي مالٌ ، ولا أدري كيف أصنعُ به ؟ قالت : وما يَغُمُّك منه ؟ ادْعُ قومَك ، فاقسِمْه بينهم .
فقال : يا غلامُ ! عليَّ بقومي .
فسألتُ الخازنَ : كم قَسم ؟ قال : أربعمئةِ ألفٍ
أخرجه الطبراني (1/112) (195) بلفظه، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (1/ 458)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (25/ 101) كلاهما باختلاف يسير.
الزُّهدُ في الدُّنيا مِمَّا رَغَّبَت فيه الشَّريعةُ، ومَن أرادَ محبَّةَ اللهِ فليَزهَدْ في الدُّنيا، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ازهَدْ في الدُّنيا يُحِبَّك اللهُ.
ويَكونُ الزُّهدُ فيها بالتَّقَلُّلِ مِن زَهرَتِها ومَفاتِنِها وشَهَواتِها، وكان الصَّحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهم مِن أزهَدِ النَّاسِ في الدُّنيا، وكان الواحِدُ إذا كان لَدَيه مالٌ كَثيرٌ يَهتَمُّ لذلك كَيف يَفعَلُ به ويُصيبُه الغَمُّ حَتَّى يُنفِقَه، ومِن أولئك الصَّحابةِ طَلحةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ رَضيَ اللهُ عنه؛ فقد دَخَلَت عليه زَوجَتُه سُعدى المُرِّيَّةُ رَضيَ اللهُ عنها يَومًا، فرَأت مِنه ثِقلًا، أي: هَمًّا وعَدَمَ ارتياحٍ، فظَنَّت أنَّ ذلك بسَبَبِ شَيءٍ حَصَلَ مِن قِبَلِها، فقالت له: ما لك؟! لَعَلَّك رابَك، أي: ساءَك أو أزعَجَك، مِنَّا شَيءٌ فنُعتِبَك؟ أي: نَعتَذِرَ مِنك ونَطلُبَ المُسامَحةَ عَمَّا حَصَلَ مِن قِبَلِنا.
والعُتبى: هيَ الرُّجوعُ عَنِ الذَّنبِ والإساءةِ.
فقال طَلحةُ: لا، أي: ليس هَمِّي بسَبَبِك، فأنتِ نِعمَ -وهيَ كَلِمةُ مَدحٍ وثَناءٍ- حَليلةُ المَرءِ المُسلِمِ أنتِ! والحَليلةُ هيَ الزَّوجةُ؛ سُمِّيَت بذلك لأنَّها تَحِلُّ لزَوجِها.
ثُمَّ بَيَّنَ لَها سَبَبَ انقِباضِه، فقال: ولَكِنِ اجتَمَعَ عِندي مالٌ، ولا أدري كَيف أصنَعُ به؟ أي: لا أعلَمُ على أيِّ حالٍ أوزِّعُه؛ خَشيةَ سُؤالِ اللهِ عَنه يَومَ القيامةِ.
فقالت له: وما يَغُمُّك مِنه؟ أي: أيُّ شَيءٍ جَلب لَك الغَمَّ والهَمَّ مِن وُجودِه؟ ادعُ قَومَك فاقسِمْه بَينَهم، أي: اقسِمْ هذا المالَ بَينَ أقارِبك، فنادى طَلحةُ غُلامَه وقال له: علَيَّ بقَومي، أي: ادعُ لي قَومي حَتَّى أقسِمَ بَينَهم هذا المالَ، ثُمَّ قَسَمَه بَينَهم.
تَقولُ زَوجَتُه: سَألتُ الخازِنَ، أي: المسؤولَ على المالِ: كَم قَسَم؟ فقال: أربعَمِئةِ ألفٍ! وهذا مَبلَغٌ كَبيرٌ في ذلك الزَّمانِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ زُهدِ طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ رَضيَ اللهُ عنه.
وفيه مَشروعيَّةُ سُؤالِ الشَّخصِ عَن حالِه إذا وُجِدَ مَهمومًا أو مَغمومًا.
وفيه أنَّ المالَ قد يَكونُ مِن أسبابِ الهَمِّ.
وفيه فَضلُ المَرأةِ الصَّالحةِ.
وفيه ثَناءُ الزَّوجِ على زَوجَتِه.
وفيه أنَّ أولى النَّاسِ بالصَّدَقةِ أقارِبُ المُنفِقِ.
وفيه كَرَمُ وجُودُ طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ رَضيَ اللهُ عنه .
[المعجم الكبير – للطبراني] (معتمد) (1/ 112)
195 - حدثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا أسد بن موسى، حدثنا سفيان بن عيينة، عن طلحة بن يحيى، عن جدته - وهي امرأته سعدى -، قالت: دخل علي يوما طلحة ، فرأيت منه ثقلا، فقلت: ما لك، لعل رابك منا شيء فنعتبك؟ قال: لا، ولنعم حليلة المرء المسلم أنت، ولكن اجتمع عندي مال ولا أدري كيف أصنع به .
قالت: وما يغمك منه؟ أدع قومك فاقسمه بينهم، فقال: يا غلام، علي قومي ، فسألت الخازن: كم قسم؟ قال: أربعمائة ألف
المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان الفسوي (1/ 458) حدثنا أبو بكر قال: حدثنا سفيان قال: حدثني طلحة بن يحي قال: حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية قالت: دخلت على طلحة بن عبيد الله يوما حائرا فقلت له: ما لي أراك حائرا أرابك شيء من أهلك فنعتبك؟ فقال: ما رابني منك ريب ولنعم حليلة المرء المسلم أنت، إلا أنه اجتمع في بيت المال مال كثير غمني.
قالت: فقلت: وما يمنعك منه.
أرسل إلى قومك واقسمه بينهم.
قالت: فأرسل إلى قومه فقسمه بينهم.
قالت سعدى: فسألت الخازن: كم كان؟ قال أربع مائة ألف.
[تاريخ دمشق - لابن عساكر] (25/ 101) أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو بكر بن الطبراني أنا محمد بن الحسين أنا أبو محمد بن درستوية نا يعقوب بن سفيان نا أبو بكر نا سفيان حدثني طلحة بن يحيى حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية قالت دخل علي طلحة بن عبيد الله يوما حائرا فقلت له ما لي أراك حائرا أرابك منا ريب فنعتبك فقال ما رابني منك ريب ولنعم حليلة المرء المسلم أنت إلا أنه اجتمع في بيت المال مال كثير قد غمني قالت فقلت وما يمنعك منه أرسل إلى قومك فاقسمه بينهم قالت فأرسل إلى قومه فقسمه بينهم قالت سعدى فسألت الخازن كم كان قال أربع مائة ألف