لمَّا لقيَهُم رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ لَهُم: من أنتُمْ ؟ قالوا: نفَرٌ منَ الخزرجِ، قالَ: مِن موالي يَهودَ ؟ قالوا: نعَم، قالَ: أفلا تجلسونَ أُكَلِّمَكُم ؟ قالوا: بلَى، فجلَسوا معَهُ، فدعاهم إلى اللَّهِ وعرضَ عليهمُ الإسلامَ، وتلا عليهمُ القرآنَ...
قال فأجابوهُ فيما دعاهُم إليهِ بأن صدَّقوهُ، وقبلوا منهُ ما عَرضَ عليهم منَ الإسلامِ، وقالوا لَهُ: إنَّا قد ترَكْنا قومَنا، ولا قومَ بينَهُم منَ العداوةِ والشَّرِّ ما بينَهُم، وعسَى أن يجمعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، فسنَقدُمُ عليهِم، فندعوهُم إلى أمرِكَ، ونعرِضُ عليهمُ الَّذي أجبناكَ إليهِ من هذا الدِّينِ، فإن يجمعَهُمُ اللَّهُ عليكَ، فلا رجلَ أعزُّ منكَ ثمَّ انصرفوا راجعينَ إلى بلادِهم قد آمنوا وصدَّقوا
أخرجه ابن هشام في ((السيرة)) (2/54)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (2639) مطولا بنحوه، والحاكم (4997) بنحوه مختصرا
لمَّا بَعَثَ اللهُ تعالى نَبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بهذا الدِّينِ وأمرَه بتَبليغِه، دَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَومَه إلى الإسلامِ، وبَلَّغَهم هذا الدِّينَ، فكَذَّبوه وآذَوه، ولَم يَستَجِبْ له مِنهم إلَّا القَليلُ وغالِبُهم مِنَ الضُّعَفاءِ، فلمَّا أرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ إظهارَ دينِه، وإعزازَ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنجازَ مَوعِدِه له، خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في المَوسِمِ الذي لَقِيَه فيه النَّفرُ مِنَ الأنصارِ، فعَرَضَ نَفسَه على قَبائِلِ العَرَبِ، كما كان يَصنَعُ في كُلِّ مَوسِمٍ.
فبَينَما هو كذلك لَقيَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَماعةً مِن أشياخِ الخَزرَجِ أرادَ اللَّهُ بهم خَيرًا، وجاءَ في رِوايةٍ أنَّهم: أسعَدُ بنُ زُرارةَ، وعَوفُ بنُ مالِكٍ، ورافِعُ بنُ مالكٍ، وقُطبةُ بنُ عامِرٍ، وعُقبةُ بنُ عامِرٍ، وجابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ.
فقال لَهم: مَن أنتُم؟ فقالوا: نَفرٌ مِنَ الخَزرَجِ.
والنَّفَرُ: الجَماعةُ مِنَ الرِّجالِ ما بَينَ الثَّلاثةِ إلى العَشَرةِ.
فقال لَهم رَسولُ اللهِ: مِن مَوالي يَهودَ؟ أي: مِن حُلَفاءِ اليَهودِ.
والمَولى: اسمٌ يَقَعُ على جَماعةٍ كَثيرةٍ، ومِنها الحَليفُ، فقالوا: نَعَم.
فقال لَهم: أفلا تَجلِسونَ أُكَلِّمُكُم؟ أي: أُحَدِّثُكُم عَنِ الإسلامِ.
فقالوا: بَلى، فجَلَسوا مَعَه، فدَعاهم رَسولُ اللهِ إلى اللهِ وعَرَضَ عليهمُ الإسلامَ، وتَلا عليهمُ القُرآنَ، فاستَجابوا لِما دَعاهم إليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأن صَدَّقوه بما جاءَ به، وقَبِلوا مِنه ما عَرَضَ عليهم مِنَ الإسلامِ.
ثُمَّ قالوا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا قد تَرَكْنا قَومَنا، أي: في المَدينةِ، ولا قَومَ بَينَهم مِنَ العَداوةِ والشَّرِّ ما بَينَهم؛ وذلك أنَّ العَداوةَ بَينَ الأوسِ والخَزرَجِ في المَدينةِ كانت شَديدةً، وكانوا دائِمًا في قِتالٍ وحُروبٍ.
وعَسى أن يَجمَعَهمُ اللهُ بك، أي: نَرجو أن يَجتَمِعَ شَملُ الأوسِ والخَزرَجِ على يَدَيك ويَنتَهيَ ما بَينَهم مِنَ القِتالِ.
فسنَقدَمُ عليهم، أي: على قَومِنا فنَدعوهم إلى أمرِك، أي: الإسلامِ، ونَعرِضُ عليهمُ الذي أجَبناك إليه مِن هذا الدِّينِ، فإن يَجمَعْهمُ اللهُ عليك فلا رَجُلَ أعَزُّ مِنك، ثُمَّ انصَرَف هؤلاء الأشياخُ راجِعينَ إلى بلادِهم، أي: المَدينةِ، قد آمَنوا وصَدَّقوا، أي: آمَنوا بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصَدَّقوا به.
وكان هذا بدايةً لإسلامِ الأنصارِ في المَدينةِ وتَوطِئةً لبَيعةِ العَقَبةِ الأولى والثَّانيةِ؛ ففي رِوايةٍ أُخرى: أنَّهم لَمَّا قَدِموا المَدينةَ إلى قَومِهم ذَكَروا لَهم رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ودَعَوهم إلى الإسلامِ، حَتَّى فشا فيهمُ الإسلامُ، فلَم يَبقَ دارٌ مِن دُورِ الأنصارِ إلَّا وفيها ذِكرٌ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفي الحَديثِ حُسنُ أُسلوبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الدَّعوةِ إلى اللهِ.
وفيه قَبولُ أشياخِ الخَزرَجِ للإسلامِ.
وفيه بَيانُ ما كان عليه الأوسُ والخَزرَجُ مِنَ العَداوةِ.
وفيه حِرصُ هؤلاء الأشياخِ على اجتِماعِ كَلِمةِ الأوسِ والخَزرَجِ على يَدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
[سيرة ابن هشام - ت سعد] (2/ 54) :
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: "من أنتم؟ " قالوا نفر من الخزرج، قال: "أمن موالي يهود؟ " قالوا: نعم؛ قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ " قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد عزوهم ببلادهم.
فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه.
فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.
ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.
[معرفة الصحابة لأبي نعيم] (2/ 1041) :
2639 - حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن محمد بن أيوب، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ، من قومه ، قال: لما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم النفر الستة من الأنصار من الخزرج بمكة، وجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن وكانوا من بني زريق بن عامر بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق فلما قدموا المدينة على قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان عام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوه على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب، وكان فيهم من بني زريق رافع بن مالك بن العجلان، ثم شهد السبعون العقبة وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على حرب الأحمر والأسود، واشترط على القوم لربه عز وجل، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة، فكان فيهم رافع بن مالك بن العجلان نقيبا.
[المستدرك على الصحيحين] (3/ 249) :
4997 - حدثنا أبو العباس، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا منهم قطبة بن عامر بن حديدة.