لَمَّا انهَدَم البَيتُ بعْدَ جُرْهُمَ فبَنَتْهُ قُرَيشٌ، فلمَّا أرادوا وضْعَ الحَجَرِ تَشاجَروا مَن يَضَعُه، فاتَّفَقوا على أنْ يَضَعَه أوَّلُ مَن يَدخُلُ مِن هذا البابِ، فدخَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن بابِ بَني شَيْبةَ، فأمَرَ بثَوبٍ فوُضِع، فأخَذَ الحَجَرَ ووضَعَه في وسَطِه، فأمَرَ مِن كُلِّ [فَخِذٍ] أنْ يأخُذوا بطائفةٍ مِنَ الثَّوبِ فيَرفَعوه، وأخَذَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فوضَعَه.
أخرجه الطيالسي (115)
لَقد كَرَّمَ اللهُ تعالى نَبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبلَ النُّبُوَّةِ بجَميلِ الخِصالِ والأخلاقِ الحَميدةِ، فكان يَنصُرُ المَظلومَ ويُعينُ النَّاسَ على ما يَكونُ عِندَهم مِن شِدَّةٍ وفَقرٍ، ويَصِلُ رَحِمَه، ويَصدُقُ في الحَديثِ وفي بَيعِه وتِجارَتِه، وغَيرِ ذلك مِنَ الصِّفاتِ الكَريمةِ، حَتَّى إنَّه اشتَهَرَ بَينَ قَومِه بالصَّادِقِ الأمينِ، وكانوا يَرضَونَ به حَكَمًا فيما يَحصُلُ بَينَهم؛ ولهذا رَضُوا به أن يَضَعَ الحَجَرَ الأسودَ في مَكانِه، وذلك أنَّ مَكَّةَ كان يَسكُنُها قَبيلةُ جُرهُمٍ الذينَ جاؤوا إلى مَكَّةَ أيَّامَ هاجَرَ وابنِها إسماعيلَ عليهما السَّلامُ، ولمَّا بَنى إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ عليهما السَّلامُ الكَعبةَ ظَلَّ البَيتُ كما هو أيَّامَ جُرهُمْ، ثُمَّ انهَدَمَتِ الكَعبةُ بَعدَ جُرهُمٍ، فبَنَتْه قُرَيشٌ، وعِندَما أرادوا وَضْعَ الحَجَرِ الأسودِ تَشاجَروا أي: اختَلَفوا فيما بَينَهم مَن يَضَعُه؛ فكُلُّ قَبيلةٍ تُريدُ أن تَتَشَرَّفَ بوَضعِه، فاشتَدَّ الخِلافُ بَينَهم حَتَّى إنَّهم كادوا أن يَقتَتِلوا كما في بَعضِ الرِّواياتِ، ثُمَّ إنَّهم بَعدَ ذلك اتَّفقوا على أن يَضَعَه أوَّلُ مَن يَدخُلُ مِن هذا البابِ، أي: أوَّلُ مَن يَدخُلُ مِن بابِ المَسجِدِ الحَرامِ.
فدَخَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن بابِ بني شَيبةَ.
فلَمَّا رَأوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالوا: هذا الأمينُ رَضينا به! فأمَرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بثَوبٍ، فوُضِعَ، أي: على الأرضِ، ثُمَّ أخَذَ الحَجَرَ ووضَعَه في وسَطِ الثَّوبِ، ثُمَّ أمَرَ مِن كُلِّ فَخذٍ، أي: قَبيلةٍ مِن قَبائِلِ قُرَيشٍ، أن يَأخُذوا بطائِفةٍ، أي: بطَرَفٍ مِنَ الثَّوبِ، فيَرفَعوه؛ وذلك حَتَّى تَكونَ جَميعُ القَبائِلِ مُشارِكةً في وَضعِ الحَجَرِ، ففعَلوا ذلك، ولمَّا رَفعوه حَتَّى بَلَغوا به مَوضِعَ الحَجَرِ أخَذَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فوضَعَه في مَكانِه.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ الكَعبةَ هُدِمَت أيَّامَ قُرَيشٍ.
وفيه بناءُ قُرَيشٍ للكَعبةِ.
وفيه بَيانُ مَكانةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَ كُفَّارِ قُرَيشٍ.
وفيه تَشريفُ اللهِ تعالى لنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بوَضعِ الحَجَرِ الأسودِ.
وفيه حِكمةُ وذَكاءُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في كَيفيَّةِ وَضعِ الحَجَرِ الأسوَدِ.
وفيه أنَّ الاتِّفاقَ والاحتِكامَ للغَيرِ خَيرٌ مِنَ النِّزاعِ والاقتِتالِ .
مسند أبي داود الطيالسي (1/ 108) :
115 - حدثنا أبو داود ، قال: حدثنا حماد بن سلمة ، وقيس ، وسلام ، كلهم، عن سماك بن حرب ، عن خالد بن عرعرة ، عن علي رضي الله عنه، قال: لما انهدم البيت بعد جرهم فبنته قريش، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه، فاتفقوا على أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة، فأمر بثوب فوضع، فأخذ الحجر فوضعه في وسطه، وأمر من كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فيرفعوه، وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه.