لمَّا التقَينا والمسلمونَ لم يقوموا لنا حَلبَ شاةٍ فجِئنا نَهشُّ سيوفَنا بين يدي رسول اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ حتَّى إذا غشيناهُ إذا بينَنا وبينَهُ رجالٌ حِسانُ الوجوهِ فقالوا: شاهتِ الوجوهُ فارجِعوا.
فهُزِمنا من ذلكَ الكلامُ.
أخرجه الواقدي ((المغازي)) (3/ 906)، والذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (2/ 202 ) واللفظ لهما.
لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى المَدينةِ وفُرِض الجِهادُ، بَدَأت غَزَواتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن تلك الغَزَواتِ غَزوةُ حُنَينٍ لقِتالِ قَبيلةِ هَوازِنَ وثَقيفٍ في السَّنةِ الثَّامِنةِ للهجرةِ، وقد حَصَلَ هَزيمةٌ للمُسلِمينَ في بدايَتِها بسَبَبِ إعجابِهم بكَثرَتِهم، ولَكِنَّ العاقِبةَ والنَّصرَ في النِّهايةِ كان للمُؤمِنينَ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي عبدُ الرَّحمنِ مَولى أمِّ بُرثُنٍ عَمَّن شَهِدَ، أي: حَضَرَ غَزوةَ حُنَينٍ كافِرًا، فيَقولُ: لمَّا التَقَينا، أي: المُشرِكونَ والمُسلمونَ، لَم يَقوموا لَنا، أي: لَم يَستَطِعِ المُسلِمونَ القيامَ بقِتالِهم والنُّهوضَ مِن أماكِنِهم، حَلْبَ شاةٍ، أي: مِقدارَ ما تُحلَبُ الشَّاةُ.
والمَقصودُ: زَمَنًا يَسيرًا، فجِئنا، أي: المُشرِكونَ نَهُشُّ سُيوفَنا، أي: نَخلِطُها بَينَ يَدَي رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى إذا غَشِيناه، أي: غَطَّيناه وأصبَحْنا حَولَه مُتَجَمِّعينَ، إذا بَينَنا وبَينَه رِجالٌ حِسانُ الوُجوهِ! أي: حالَ بَينَ الكُفَّارِ وبَينَ النَّبيِّ رِجالٌ ذوو وُجوهٍ حَسَنةٍ، وهمُ المَلائِكةُ نَزَلَت تُقاتِلُ مَعَ المُسلمينَ، فقالتِ المَلائِكةُ: شاهَتِ الوُجوهُ، فارجِعوا! أي: قُبِّحَت وُجوهُكُم أيُّها المُشرِكونَ فارجِعوا.
فانهَزَمَ المُشرِكونَ مِن هذا الكَلامِ.
وقد قيلَ: إنَّ المَلائِكةَ لَم تُقاتِلْ إلَّا في غَزوةِ بَدرٍ، وأمَّا في غَيرِها فكانوا عَدَدًا ومَدَدًا لا يَضرِبونَ، فنَزَلَت في غَزوةِ حُنَينٍ لتَخويفِ الكُفَّارِ، ولَم تُقاتِلْ.
وفي الحَديثِ حِفظُ اللَّهِ تعالى لنَبيِّه وتَأييدُه له.
وفيه بَيانُ انتِصارِ المُسلمينَ على المُشرِكينَ في غَزوةِ حُنَينٍ.
وفيه مُشارَكةُ المَلائِكةِ في القِتالِ مَعَ المُسلمينَ في غَزوةِ حُنَينٍ .
مغازي الواقدي (3/ 906) :
قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن زهير، عن عمر بن عبد الله العبسي، عمن أخبره، عن ربيعة، قال: حدثني نفر من قومنا حضروا يومئذ قالوا: كمنا لهم في المضايق والشعاب، ثم حملنا عليهم حملة ركبنا أكتافهم حتى انتهينا إلى صاحب بغلة شهباء، وحوله رجال بيض حسان الوجوه، فقال: شاهت الوجوه، ارجعوا! فانهزمنا، وركب المسلمون أكتافنا وكانت إياها، وجعلنا نلتفت وراءنا ننظر إليهم يكدوننا، فتفرقت
سير أعلام النبلاء (سيرة 2/ 202 ط الرسالة) :
وقال جعفر بن سليمان: حدثنا عوف، قال: حدثنا عبد الرحمن مولى أم برثن، عمر شهد حنينا كافرا ، قال: لما التقينا والمسلمون لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول الله، حتى إذا غشيناه إذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه، فارجعوا.
فهزمنا من ذلك الكلام.
إسناده جيد