- يصبحُ الناسُ مجدِبينَ فيأتيهِمُ اللهُ برِزقٍ مِن عندِه، فيُصبِحونَ مُشرِكينَ فيقولونَ : مُطِرْنا بنَوءِ كذا وكذا
أخرجه أحمد (15537) والطيالسي (1358) وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (940) بلفظه.
بُعِثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتَوحيدِ اللهِ تعالى، والنَّهيِ عنِ الشِّركِ وعن كُلِّ وسيلةٍ تُوصِلُ إلى الشِّركِ، فقد حَمى جَنابَ التَّوحيدِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكُلِّ طَريقةٍ ووسيلةٍ، وحَذَّرَ أمَّتَه منَ الشِّركِ غايةَ التَّحذيرِ، ومَعَ ذلك فقد أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ النَّاسَ يَقَعونَ في الشِّركِ بحَيثُ يَنسُبونَ بَعضَ النِّعَمِ لغَيرِ اللهِ مِثلَ نُزولِ المَطَرِ؛ ولهذا لَمَّا نَزَل مَطَرٌ في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أقبَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على النَّاسِ وقال لَهم: هَل تَدرونَ ماذا قال رَبُّكُم؟ قالوا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: قال: أصبَحَ مِن عِبادي مُؤمِنٌ بي وكافِرٌ؛ فأمَّا مَن قال: مُطِرْنا بفَضلِ اللهِ ورَحمَتِه فذلك مُؤمِنٌ بي كافِرٌ بالكَوكَبِ، وأمَّا مَن قال: مُطِرْنا بنَوءِ كَذا وكَذا فذلك كافِرٌ بي مُؤمِنٌ بالكَوكَبِ.
وفي هذا الحَديثِ يَقولُ: يُصبحُ النَّاسُ مُجدِبينَ، أي: تُصبحُ أرضُهم لا نَباتَ بها، مَأخوذٌ مِنَ الجَدبِ، وهو القَحطُ، فيَأتيهمُ اللهُ برِزقٍ مِن عِندِه، أي: بالمَطَرِ، فيُصبِحونَ مُشرِكينَ، أي: بحَيثُ يَنسُبونَ نُزولَ المَطَرِ لغَيرِ اللهِ، فيَقولونَ: مُطِرْنا، أي: سُقِينا، بنَوءِ، أي: بسَبَبِ سُقوطِ نَجمِ كَذا وكَذا.
وقَولُهم هذا مِن شِركِ الألفاظِ، وهو نَوعٌ مِن أنواعِ الشِّركِ الأصغَرِ؛ حَيثُ اعتَقَدوا أنَّ هذه النُّجومَ سَبَبٌ لنُزولِ المَطَرِ، ولَم يَجعَلْها اللهُ سَبَبًا لذلك.
وأمَّا إذا اعتَقدوا نِسبةَ نُزولِ المَطَرِ لهذه النُّجومِ نِسبةَ إيجادٍ وخَلقٍ وتَدبيرٍ فهذا شِركٌ أكبَرُ في الرُّبوبيَّةِ.
وإنَّما غَلَّظ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أمرِ الأنواءِ؛ لأنَّ العَرَبَ كانت تَنسُبُ المَطَرَ إلَيها.
أمَّا لَو قال الشَّخصُ: مُطِرْنا بنَوءِ كَذا مُعتَقِدًا أنَّه مِنَ اللهِ تعالى وبرَحمَتِه، وأنَّ النَّوءَ ميقاتٌ له وعَلامةٌ اعتِبارًا بالعادةِ، فكَأنَّه قال: مُطِرْنا في وَقتِ كَذا؛ فهذا جائِزٌ، وإن كان الأَولى تَركَ هذه الألفاظِ؛ لأنَّها كَلِمةٌ مُتَرَدِّدةٌ بَينَ الكُفرِ وغَيرِه، فيُساءُ الظَّنُّ بصاحِبِها، ولأنَّها شِعارُ الجاهليَّةِ ومَن سَلَك مَسلَكَهم.
وفي الحَديثِ وُقوعُ بَعضِ النَّاسِ في الشِّركِ الأصغَرِ.
وفيه أنَّ نِسبةَ نُزولِ المَطَرِ لغَيرِ اللهِ تعالى شِركٌ.
وفيه بَيانُ فَضلِ اللَّهِ تعالى ورَحمَتِه بعِبادِه .
[مسند أحمد] (24/ 297 ط الرسالة) :
15537 - حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا عمران - يعني القطان -، عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن معاوية الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يكون الناس مجدبين، فينزل الله عليهم رزقا من رزقه، فيصبحون مشركين فقيل له: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: " يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا ."
مسند أبي داود الطيالسي (2/ 591) :
1358 - حدثنا يونس ، قال: حدثنا أبو داود ، قال: حدثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن نصر بن عاصم الليثي ، عن معاوية الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يصبح الناس مجدبين، فيأتيهم الله برزق من عنده، فيصبحون مشركين فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا.
الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (2/ 195) :
940 - حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، ويونس بن حبيب، قالا: ثنا أبو داود، نا عمران القطان، عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن معاوية الليثي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يصبح الناس مجدبين، فيأتيهم برزق من عنده، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا "