عن عمرَ بنِ الخطابِ أنه رأى قومًا ينتابون مكانًا يصلون فيه ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : هذا مكانٌ صلى فيه رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بسفرٍ ، ومكانٌ حلَّ فيه رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقال عمرُ : أتريدون أن تتخذوا آثارَ أنبيائِكم مساجدَ ؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، من أدركته الصلاةُ فيه فليصلِّ وإلا فليذهبْ
بعَث اللهُ تعالى أنبياءَه للدَّعوةِ إلى توحيدِ اللهِ تعالى، ونَبذِ الشِّركِ والتَّعَلُّقِ بغيرِ اللهِ، وكان خاتَمَهم نبيُّنا محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فدعا لتوحيدِ اللهِ، وحَذَّر أمَّتَه من الشِّركِ ووسائِلِه وكُلِّ ما يُقَرِّبُ منه، وقد كان بدايةُ الشِّركِ في قَومِ نوحٍ حينَ اتَّخَذوا أصنامَ قَومٍ صالحينَ وسَمَّوها بأسمائِهم ولَم تُعبَدْ، حَتَّى إذا هَلَكَ أولئك ونُسِيَ العِلمُ عُبِدَت، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ شِرارَ الخَلقِ عِندَ اللهِ يَومَ القيامةِ همُ الذينَ يَتَّخِذونَ قُبورَ أنبيائِهم وصالحيهم مَساجِدَ يُصَلُّونَ ويَتَعَبَّدونَ عِندَها؛ ولهذا لمَّا رَأى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه قَومًا ينتابون، أي: يَقصِدونَ مَكانًا يُصَلُّونَ فيه، يُقالُ: انتابَه: إذا قَصَدَه مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ.
سَألَ وقال: ما هذا؟ أي: لماذا يَذهَبونَ إلى هذا المَكانِ ويُصَلُّونَ عِندَه؟ فقالوا له: هذا مَكانٌ صَلَّى فيه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسَفَرٍ، ومَكانٍ حَلَّ فيه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمَّا كان مُسافِرًا في أحَدِ الأسفارِ نَزَل في هذا المَكانِ وصَلَّى فيه، فنَحنُ نَتَتَبَّعُ المَكانَ الذي صَلَّى فيه رَسولُ اللهِ ونُصَلِّي.
فقال لَهم عُمَرُ: أتُريدونَ أن تَتَّخِذوا آثارَ أنبيائِكُم مَساجِدَ؟ أي: أنكَرَ عليهم هذا الفِعلَ، وقال: إنَّما هَلَكَ مَن كان قَبلَكُم بهذا، أي: إنَّما هَلَكَت وضَلَّتِ الأُمَمُ السَّابقةُ بأنَّهمُ اتَّخَذوا آثارَ أنبيائِهم مَساجِدَ، ثُمَّ أرشَدَهم إلى ما يَنبَغي فِعلُه، فقال: مَن أدرَكَته الصَّلاةُ فيه فليُصَلِّ، وإلَّا فليَذهَبْ، أي: إذا حَضَرَ وقتُ الصَّلاةِ وهو في ذلك المَكانِ الذي صَلَّى فيه رَسولُ اللهِ فليُصَلِّ فيه، وإذا لَم يَحضُرْ وقتُ الصَّلاةِ وهو فيه فليَنصَرِفْ عن ذلك المَكانِ ولا يَتَقَصَّدِ الصَّلاةَ عِندَه.
وفي الحَديثِ التَّحذيرُ مِنِ اتِّخاذِ المَواطِنِ التي صَلَّى فيها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكانًا للعِبادةِ.
وفيه إنكارُ المُنكَرِ على مَن وقَعَ فيه.
وفيه بَيانُ سَبَبٍ مِن أسبابِ هَلاكِ الأُمَمِ السَّابقةِ.
وفيه مَشروعيَّةُ الصَّلاةِ في المَواطِنِ التي صَلَّى فيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا وافقَ ذلك وقتَ صَلاةٍ دونَ أن يَكونَ ذلك عن تَقصُّدٍ .