أنَّ الصَّحابةَ رضيَ اللهُ عنهُم تزوَّجوا الكتابياتِ ولم يبحَثوا
الإسلامُ دينُ الحَقِّ، وهو الدِّينُ الذي لا يَقبلُ اللهُ منَ النَّاسِ غَيرَه، وكُلُّ دينٍ سِواه فهو باطِلٌ؛ فالإسلامُ يَعلو ولا يُعلى عليه، وعلى هذا الأساسِ بُنيَت كَثيرٌ من أحكامِ الشَّريعةِ، ومِن ذلك مَشروعيَّةُ زَواجِ المُسلمِ بالمَرأةِ مِن أهلِ الكِتابِ؛ فقد أحَلَّ اللَّهُ للمُسلِمينَ نِكاحَ نِساءِ أهلِ الكِتابِ، فقال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] ، والظَّاهرُ أنَّ المُرادَ بالمُحصَناتِ: العَفيفاتُ عن الزِّنا.
وقد تَزَوَّجَ كَثيرٌ مِنَ الصَّحابةِ بنِساءٍ مِن أهلِ الكِتابِ ولَم يَبحَثوا، أي: لَم يُفرِّقوا بَينَ كَونِها كِتابيَّةً قَبلَ تَحريفِ دينِ النَّصرانيَّةِ أو دَخَلَت في دينِ النَّصرانيَّةِ بَعدَ التَّحريفِ؛ وذلك أنَّ بَعضَ العُلَماءِ قالوا في صِفةِ الكِتابيَّةِ التي يَنكِحُها المُسلمُ: إمَّا أن تَكونَ مِن أولادِ بَني إسرائيلَ أو لا تَكونُ مِنهم، والكِتابيَّةُ التي لَيسَت مِن أولادِ بَني إسرائيلَ لَها أحوالٌ: الحالةُ الأولى: أن تَكونَ مِن قَومٍ يُعلَمُ دُخولُهم في ذلك الدِّينِ قَبلَ تَطَرُّقِ التَّحريفِ والنَّسخِ إلَيه، فيَصِحُّ الزَّواجُ مِنها؛ لتَمَسُّكِها بذلك الدِّينِ حينَ كان حَقًّا.
والحالةُ الثَّانيةُ: إذا كانت مِن قَومٍ يُعلَمُ دُخولُهم في ذلك الدِّينِ بَعدَ التَّحريفِ وقَبلَ النَّسخِ، فإن تَمسَّكوا بالحَقِّ مِنه وتجَنَّبوا المُحَرَّفَ فيَصِحُّ الزَّواجُ مِنها، وإن دَخَلوا في المُحَرَّفِ ففي نِكاحِها خِلافٌ؛ قيل: يَجوزُ لأنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم تَزَوَّجوا مِنهنَّ ولَم يَبحَثوا.
وبَعضُهم مَنَع؛ لأنَّ الفضيلةَ التي لَهم بَطَلَت بالتَّحريفِ.
وهناكَ أحوالٌ وأقسامٌ أُخرى لصِفاتِ الكِتابيَّةِ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ زَواجِ المُسلمِ بنِساءِ أهلِ الكِتابِ مُطلَقًا .