انظروا قريشًا ، فخُذوا من و في روايةٍ : فاسمعوا قولَهم ، و ذَروا فعلَهم
أخرجه ابن أبي شيبة (37717)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (3131)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (1/ 176) واللفظ لهم، وأحمد (18285)، وابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (4/ 117) بنحوه.
كانت لقُرَيشٍ مَكانةٌ عَظيمةٌ عِندَ العَرَبِ قَبلَ الإسلامِ، فهم أهلُ حَرَمِ اللَّهِ؛ ولهذا لمَّا بُعِثَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَدَأ يَدعوهم إلى اللهِ؛ لأنَّهم لَو آمَنوا فسيُؤمِنُ بَقيَّةُ العَرَبِ، وكان العَرَبُ يَنتَظِرونَ ما يَنتَهي إلَيه أمرُ قُرَيشٍ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولونَ: اترُكوه وقَومَه؛ فإنَّه إن ظَهَرَ عليهم فهو نَبيٌّ صادِقٌ، فلمَّا كانت وقعةُ فَتحِ مَكَّةَ بادَرَ كُلُّ قَومٍ بإسلامِهم، واستَمَرَّت هذه المَكانةُ لقُرَيشٍ حَتَّى بَعدَ الإسلامِ، وقد قال أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه عِندَما اختَلَف الصَّحابةُ فيمَن يَكونُ الخَليفةُ بَعدَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأرادَ الأنصارُ أن تَكونَ فيهم: ولَن يُعرَفَ هذا الأمرُ إلَّا لهذا الحَيِّ مِن قُرَيشٍ، هم أوسَطُ العَرَبِ نَسَبًا ودارًا، ومَعَ ذلك فقد أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ألَّا نَأخُذَ بفِعلِ قُرَيشٍ وإنَّما بقَولِهم؛ وذلك لأنَّهم ذوو الرَّأيِ المُصيبِ والحَدْسِ الذي لا يُخطِئُ ولا يَخيبُ، لَكِنَّهم قد يَفعَلونَ ما لا يَسوغُ شَرعًا؛ فاحذَروا مُتابَعَتَهم فيه، فعن عامِرِ بنِ شَهرٍ رَضِيَ اللهُ عنه وهو أحَدُ عُمَّالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على اليَمَنِ، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: انظُروا.
وهو مِنَ النَّظَرِ الذي هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، قُرَيشًا، أي: مُلوكَهم، وكان غالِبُهم صِغارًا، وقد يُرادُ بهمُ القُرَشيُّونَ عُمومًا، فخُذوا مِن قَولِهم، أي: بَعضَه الموافِقَ للدِّينِ.
وفي رِوايةٍ: فاسمَعوا قَولَهم.
فهم ذَوو القَولِ الذي يَجِبُ أن يُستَمَعَ لا مَن سِواهم مِمَّن ليس مِن ذَوي القَولِ الذي يَجِبُ أن يُستَمَعَ، وذَروا فِعلَهم، أي: كُلَّه؛ ففيه أنَّ الغالبَ في فِعلهمُ المُخالَفةُ، وقيلَ: مَن كان مِنهم مَن ذَوي الفِعلِ المَذمومِ، لا مَن سِواهم مِن ذَوي الفِعلِ المَحمودِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ مَكانةِ قُرَيشٍ وفَضْلِهم.
وفيه الأمرُ بالأخذِ مِن قَولِ قُرَيشٍ وتَركِ فِعلِهم .