قالَ واثلةُ بنُ الأسقعِ كانَ سببُ إسلامِ الحجاجُ بنُ علاطٍ البهزيِّ أنه خرجَ في ركبٍ منْ قومِهِ إلى مكةَ فلمَّا جنَّ عليهِ الليلُ وهوَ في وادٍ وحشٍ مخوفٍ قعدَ ، فقالَ لهُ أصحابُه : يا أبا كلابٍ ، قمْ فاتخذْ لنفسِكَ ولأصحابِكَ أمانًا ، فقامَ الحجاجُ بنُ علاطٍ يطوفُ حولهمْ يكلؤُهمْ ويقولُ : [ الرَّجْزَ ] أعيذُ نفسِي وأعيذُ صحبِي منْ كلِّ جنيِّ بهذا النقبِ حتى أؤوب سالمًا وَرَكْبِي فسمعَ قائلَا يقولُ : {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن : 33 ] .
وقال : فلمَّا قدمُوا مكةَ أَخبرَ بذلكَ في نادي قريشٍ ، فقالوا لهُ : صبَأتَ واللهِ يا أبا كلابٍ ، إنَّ هذا فيمَا يزعُمُ أنه أُنزلَ عليهِ .
قالَ : واللهِ لقدْ سمعتُه وسمعَهُ هؤلاءِ معِي .
ثمَّ أسلَمَ الحجاجُ فحَسُنَ إسلامُهُ ، ورخَّصَ لهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يقولَ فيهِ بما شاءَ عندَ أهلِ مكةَ عامَ خيبرَ منْ أجلِ مالِهِ وولَدِهِ بِها ، فجاءَ العباسَ بفتحِ خيبرَ وأخبرَهُ بذلكَ سرًّا ، وأخبرَ قريشًا بضدِّهِ جهرًا حتى جمعَ ما كانَ لهُ منْ مالٍ بمكةَ ، وخرجَ عنها .
أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (12/ 106) مختصرا
جيلُ الصَّحابةِ خَيرُ القُرونِ، وهم أيضًا خَيرُ هذه الأُمَّةِ، أثنى اللهُ تَعالى عليهم، ومَدَحَهمُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبَيَّنَ فضلَهم في أحاديثَ كَثيرةٍ، وذلك لِما قاموا به مِن نُصرةِ هذا الدِّينِ والجِهادِ في سَبيلِ اللهِ تَعالى، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الصَّحابيُّ الجَليلُ الحَجَّاجُ بنُ عِلاطٍ البَهْزيُّ رَضِيَ اللهُ عنه، فقد قَدِمَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بخَيبَرَ فأسلَمَ.
وسَكَنَ المَدينةَ وبَنى بها دارًا ومَسجِدًا.
ومِمَّا جاءَ في سَبَبِ إسلامِه أنَّه خَرَجَ في رَكبٍ، أي: جَماعةٍ مُسافِرينَ مِن قَومِه إلى مَكَّةَ، فلَمَّا جَنَّ عليه اللَّيلُ، أي: تَغشَّاه وسَتَره، وهو في وادٍ وَحشٍ، أي: موحِشٍ مَخوفٍ، قَعَدَ، أي: جَلَسَ هناكَ في الوادي، فقال له أصحابُه: يا أبا كِلابٍ، وهيَ كُنيةُ الحَجَّاجِ، قُمْ فاتَّخِذْ لنَفسِك ولأصحابِك أمانًا، أي: قُمْ واحرُسْنا واحمِنا مِن هذا الوادي المَخوفِ، فقامَ الحَجَّاجُ بنُ عِلاطٍ يَطوفُ حَولَ أصحابِه يَكلَؤُهم، أي: يَحرُسُهم ويَحفظُهم، وهو يَقولُ أبياتًا مِنَ الرَّجَزِ وهو بَحرٌ مِن بُحورِ الشِّعرِ: أُعيذُ نَفسي وأُعيذُ صَحْبي.
مِن كُلِّ جِنِّيٍّ بهذا النَّقبِ.
حَتَّى أؤوبَ سالِمًا ورَكْبي.
والمَعنى: ألتَجَئُ وأعتَصِمُ أنا وأصحابي مِن كُلِّ جِنٍّ بهذا النَّقبِ، أي: الوادي، حَتَّى أؤوبَ، أي: أرجِعَ وأعودَ أنا وأصحابي سالِمينَ.
وبَينَما هو يَحرُسُ أصحابَه وقد قال هذه الأبياتَ، سَمِعَ قائِلًا يَقولُ: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33]، وكَأنَّ هذا القائِلَ مِنَ الجِنِّ -فيما يَظهَرُ- فتَعجَّب مِن هذا الكَلامِ الذي سَمِعَه ولا يَرى مَنِ الذي يَقولُه! فلمَّا قَدِمَ مَكَّةَ هو وأصحابُه، أخبَرَ بما سَمِعَه في نادي قُرَيشٍ.
والنَّادي: مَحَلُّ مَجلِسِهم واجتِماعِهم، فقال له كُفَّارُ قُرَيشٍ: صَبَأتَ واللَّهِ يا أبا كِلابٍ! أي: خَرَجتَ مِن دينِك إلى دينِ مُحَمَّدٍ، وكانت قُرَيشٌ تُسَمِّي مَن أسلَمَ صابِئًا، وتُسَمِّي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الصَّابئَ؛ لأنَّه خَرَجَ مِن دينِ قُرَيشٍ إلى دينِ الإسلامِ.
وتُسَمِّي المُسلِمينَ الصُّباةَ.
ثُمَّ قالوا للحَجَّاجِ: إنَّ هذا -يَعنونَ به النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فيما يَزعُمُ أنَّه أُنزِلَ عليه، أي: أنَّ النَّبيَّ يَقولُ عن نَفسِه أنَّه نَزَلَ عليه الوحيُ مِنَ السَّماءِ، ويَزعُمُ أنَّه أُنزِلَ عليه هذا الكَلامُ.
فقال لَهمُ الحَجَّاجُ: واللهِ لَقد سَمِعتُه وسَمِعَه هؤلاء مَعي، أي: سَمعَ تلك الآياتِ في ذلك الوادي هو وأصحابُه.
ثُمَّ إنَّه سَألَ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقيلَ له: هو في المَدينةِ، فذَهَب الحَجَّاجُ إلى المَدينةِ عامَ افتِتاحِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لخَيبَرَ، فأسلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، ورَخَّصَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَقولَ فيه، أي: يَقولَ في النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما شاءَ عِندَ أهلِ مَكَّةَ عامَ خَيبَرَ مِن أجلِ مالِه ووَلَدِه بها.
والمَعنى: أنَّه يُظهِرُ لكُفَّارِ قُرَيشٍ بُغضَه للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويَتَكَلَّمُ عليه، حَتَّى يُصَدِّقَه كُفَّارُ قُرَيشٍ، ويَتَمَكَّنَ مِن أخذِ مالِه ووَلَدِه.
وفي رِوايةٍ أُخرى: أنَّ الحَجَّاجَ قال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي بمَكَّةَ أهلًا ومالًا، وإنِّي أُريدُ أن آتيَهم، فأنا في حِلٍّ إن قُلتُ فيك شَيئًا؟ فأذِنَ له رَسولُ اللهِ.
فلَمَّا ذَهَبَ الحَجَّاجُ إلى مَكَّةَ أظهَرَ لكُفَّارِ قُرَيشٍ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابَه قد هُزِموا في خَيبَرَ واستُبيحوا وأُصيبَت أموالُهم، ففرِحَ المُشرِكونَ بذلك كما في رِوايةٍ أُخرى.
ثُمَّ ذَهَبَ الحَجَّاجُ إلى العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ عَمِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان العَبَّاسُ في مَكَّةَ، وأخبَرَه سِرًّا بخِلافِ ما قاله لكُفَّارِ قُرَيشٍ، وبأنَّ النَّبيَّ فتَحَ خَيبَرَ وغَنِم أموالَهم وأنَّه إنَّما جاءَ لمالٍ كان له في مَكَّةَ.
فجَمعَ الحَجَّاجُ ما كان له مِن مالٍ بمَكَّةَ، وخَرَجَ عنها.
وتوفِّيَ رَضِيَ اللهُ عنه أوَّلَ خِلافةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفي الحَديثِ بَيانُ سَبَبِ إسلامِ الحَجَّاجِ بنِ عِلاطٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه فَضلُ الحَجَّاجِ بنِ عِلاطٍ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه إسلامُ بَعضِ الجِنِّ ومَعرِفتُهم بالقُرآنِ الكَريمِ.
وفيه ذَكاءُ الحَجَّاجِ بنِ عِلاطٍ واحتيالُه على كُفَّارِ قُرَيشٍ لأخذِ مالِه.
وفيه مَشروعيَّةُ خِداعِ الكُفَّارِ بما يُحَقِّقُ للمُسلِمينَ مَصلَحةً .