لو رَأيتَني وقُثَمَ وعُبَيدَ اللهِ، ابنَيْ عبَّاسٍ، ونحن صِبيانٌ نَلعَبُ، إذْ مَرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على دابَّةٍ، فقال: ارفَعوا هذا إليَّ.
قال: فحمَلَني أمامَهُ، وقال لِقُثَمَ: ارفَعوا هذا إليَّ.
فجعَلَهُ وراءَهُ، وكان عُبَيدُ اللهِ أحَبَّ إلى عبَّاسٍ مِن قُثَمَ، فما استَحى مِن عَمِّهِ أنْ حمَلَ قُثَمَ وترَكَهُ، قال: ثم مسَحَ على رَأسي ثَلاثًا، وقال كُلَّما مسَحَ: اللَّهمَّ اخلُفْ جَعفَرًا في وَلَدِهِ.
قال: قلتُ لِعَبدِ اللهِ: ما فعَلَ قُثَمُ؟ قال: استُشهِدَ.
قال: قلتُ: اللهُ أعلَمُ بالخَيرِ، ورَسولُهُ بالخَيرِ.
قال: أجَلْ!
أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) (10905)، وأحمد (1760) واللفظ له
كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحِبُّ الأطفالَ ويُعامِلُهم مُعامَلةَ مُحِبٍّ لَهم ومُشفِقٍ عليهم، ويُعطيهم جُزءًا مِن وقتِه، ويُمازِحُهم ويُدخِلُ الفرَحَ والسُّرورَ عليهم، وكان إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ استَقبَلَ الأطفالَ فيَحمِلُهم مَعَه ويُلاعِبُهم ويَدعو لَهم، ومِمَّا جاءَ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ذلك أنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ جَعفَرِ بنِ أبي طالبٍ وقُثَمَ وعُبَيدَ اللهِ بنَ العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عنهم كانوا يَلعَبونَ وهم صِبيانٌ، فمَرَّ بهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو راكِبٌ دابَّةً، فقال وهو يُشيرُ إلى عَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ: ارفَعوا هذا إلَيَّ على الدَّابَّةِ، فحَمَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَه على الدَّابَّةِ وجَعله أمامَه، ثُمَّ قال وهو يُشيرُ لقُثَمَ: ارفَعوا هذا إلَيَّ فحَمَلَه وجَعَله وراءَه على الدَّابَّةِ.
وتَرَك عُبَيدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ، وكان عُبَيدُ اللهِ أحَبَّ إلى العَبَّاسِ مِن قُثَمَ، ومَعَ ذلك حَمَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُثَمَ وتَرَك عُبَيدَ اللَّهِ، ولَم يَستَحِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عَمِّه، والنَّبيُّ حَمَلَ قُثَمَ، وتَرَك عُبَيدَ اللَّهِ؛ لأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُراعي الخَيِّرَ عِندَ اللهِ لا مُجَرَّدَ رِضا النَّاسِ.
وقد كان قُثَمُ أشبَهَ النَّاسِ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَسَح على رَأسِ عَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ ثَلاثًا، وكان يَتيمًا، وقال كُلَّما مَسَحَ رَأسَه: اللَّهمَّ اخلُفْ جَعفرًا في ولَدِه، أي: اجعَلْ ولَدَه خَلَفًا لوالِدِه، وذلك أنَّ جَعفَرَ بنَ أبي طالبٍ استُشهِدَ في مَعرَكةِ مُؤتةَ.
ثُمَّ إنَّ الرَّاويَ، وهو خالِدُ بنُ سارةَ قال لعَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ: ما فَعَل قُثَمُ؟ أي: أيُّ خَيرٍ حَصَلَ مِنه حَتَّى رَجَّحَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أخيه، فحَمَلَه دونَ أخيه؟ فقال عَبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ: استُشهدَ، أي: أنَّه ماتَ شَهيدًا، وكان قد خَرَجَ مُجاهدًا فاستُشهِدَ في سَمَرقَندَ.
فقال خالِدُ بنُ سارةَ لعَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ: اللهُ أعلَمُ بالخَيرِ ورَسولُه.
فقال عَبدُ اللَّهِ بنُ جَعفَرٍ: أجَلْ، أي: أنَّ اللَّهَ ورَسولَه أعلَمُ بمَن يَستَحِقُّ التَّقديمَ مِن غَيرِه.
فما قدَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُثَمَ إلَّا لفَضلِه على أخيه.
وفي الحَديثِ بَيانُ كَيف كان هَدْيُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَ الصِّبيانِ.
وفيه تَواضُعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه مَشروعيَّةُ الحَملِ على الدَّابَّةِ أكثَرَ مِن شَخصٍ ما لَم يَكُنْ عليها في ذلك مَشَقَّةٌ.
وفيه تَقديمُ الخَيِّرِ عِندَ اللهِ تعالى لا مَن قدَّمَه النَّاسُ ورَضُوه.
وفيه مَشروعيَّةُ الدُّعاءِ لليَتيمِ.
وفيه مَشروعيَّةُ المَسحِ على رَأسِ اليَتيمِ.
وفيه فَضلُ عَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما.
وفيه فَضلُ قُثَمَ بنِ العَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهما .
[السنن الكبرى - للنسائي] (6/ 263) 10905- أخبرنا محمد بن المثنى قال حدثنا الضحاك بن مخلد قال حدثنا بن جريج قال أخبرني جعفر بن خالد بن سارة عن أبيه قال أخبرني عبد الله بن جعفر قال: كنت أنا وقثم وعبيد الله نلعب فجاء النبي صلى الله عليه و سلم فقال احمل هذا ثم قال احمل هذا فحمل قثم خلفه ولم يستحي من عمه العباس وكان عبيد الله أحب إلى العباس من قثم ومسح رأسه ثلاث مرار وقال اللهم اخلف جعفرا في ولده قلت ما فعل قثم قال استشهد قلت الله ورسوله كان أعلم بالخيرة قال أجل.
[مسند أحمد] ـ الرسالة] (3/ 284) 1760- حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني جعفر بن خالد ابن سارة، أن أباه أخبره، أن عبد الله بن جعفر ، قال: لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابني عباس، ونحن صبيان نلعب، إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم على دابة، فقال: (( ارفعوا هذا إلي)) قال: فحملني أمامه، وقال لقثم: ارفعوا هذا إلي فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم، فما استحى من عمه أن حمل قثم وتركه، قال: ثم مسح على رأسي ثلاثا، وقال كلما مسح: (( اللهم اخلف جعفرا في ولده)) قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال: استشهد، قال: قلت: الله أعلم بالخير ورسوله بالخير، قال: أجل.