أَرْسلْتُ إلى ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهُما أَسْألُهُ عنْ شهادةِ الصِّبيانِ، فقالَ: قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وليسوا ممَّنْ نَرْضى.
قالَ: فأَرْسلْتُ إلى ابنِ الزُّبَيرِ أَسْألُهُ، فقالَ: بالحَرِيِّ إنْ سُئلوا أنْ يَصْدُقوا.
قالَ: فما رأَيْتُ القَضاءَ إلَّا على ما قالَ ابنُ الزُّبيرِ.
لمَّا كان النَّاسُ عَلاقاتُهم مُرتَبطةٌ في مُعامَلاتِهمُ اليَوميَّةِ، وحَتَّى لا يَحدُثَ بَينَهم شِقاقٌ وتَنازُعٌ واختِلافٌ جاءَتِ الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ ببَيانِ كَثيرٍ مِنَ الأحكامِ التي تَفصِلُ المُنازَعاتِ بَينَ النَّاسِ؛ ولذا اشتَرطَتِ الشُّهودَ في كَثيرٍ مِنَ المُعامَلاتِ قَطعًا للتَّنازُعِ المُؤَدِّي للشَّرِّ والاقتِتالِ، وحَدَّدَت صِفةَ مَن يَصلُحُ للشَّهادةِ مِمَّن لا يَصلُحُ لَها، ومِمَّا يَتَعَلَّقُ بأحكامِ الشَّهادةِ: شَهادةُ الصِّبيانِ هَل تُقبَلُ أم لا؟ فاختَلَف في ذلك الصَّحابةُ؛ فكان عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما يَرى أنَّها لا تَصِحُّ، ويَستَدِلُّ بقَولِه تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] ويَقولُ: إنَّ الصِّبيانَ لَيسوا مِمَّن نَرضى.
وأمَّا عَبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عنهما فكان يَرى صِحَّةَ شَهادةِ الصِّبيانِ، ويَقولُ: بالحَريِّ إن سُئِلوا أن يَصدُقوا، أي: جَديرٌ وأولى إذا سُئِلوا أن يَقولوا الصِّدقَ، فكَيف لا تُقبَلُ شَهادَتُهم؟ وفي رِوايةٍ أُخرى أنَّه قال: هم أحرى، أي: أجدَرُ، إذا سُئِلوا عَمَّا رَأوا أن يَشهَدوا.
وقد عَمِلَ القُضاةُ وقَضَوا بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ؛ يَقولُ عبدُ اللهِ بنُ أبي مُلَيكةَ: فما رَأيتُ القَضاءَ إلَّا على ما قال ابنُ الزُّبَيرِ، أي: بقَبولِ شَهادةِ الصِّبيانِ.
والمَسألةُ فيها خِلافٌ مَحَلُّه كُتُبُ الفِقهِ.
وفي الحَديثِ بَيانُ الخِلافِ في مَسألةِ شَهادةِ الصِّبيانِ .