عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ من أفتَى النَّاسَ في كلِّ ما يسألونَهُ عنه فهو مجنونٌ
مَقامُ الفتوى والإخبارِ عنِ اللهِ تعالى مَقامٌ عَظيمٌ؛ فيَنبَغي على العالمِ أوِ المُفتي أن يُراعيَ هذا الأمرَ ويُعطيَه قَدْرَه، فلا يُفتيَ بدونِ تَثَبُّتٍ أو يَستَعجِلَ في الجَوابِ ويَتَسَرَّعَ قَبلَ مَعرِفةِ الحُكمِ؛ لأنَّه بذلك يَكونُ تَجَرَّأ في الإخبارِ عنِ اللهِ تعالى، وقد جَعل اللهُ القَولَ عليه مِن أعظَمِ الذُّنوبِ، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] ، وقد كان السَّلَفُ يَتَورَّعونَ مِنَ الفتوى والإجابةِ عن كُلِّ شَيءٍ، بَل ويَعتَذِرونَ للسَّائِلِ ويَقولونَ له: اللهُ أعلَمُ.
وكانوا يَستَنكِرونَ على الشَّخصِ أن يُجيبَ عن كُلِّ سُؤالٍ؛ ولهذا جاءَ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ وعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّهما قالا: مَن أفتى النَّاسَ في كُلِّ ما يَسألونَه عنه فهو مَجنونٌ! فلا بُدَّ مِنَ التَّثَبُّتِ والتَّمَهُّلِ وعَدَمِ الاستِعجالِ؛ لأنَّ مِنَ المَسائِلِ ما لا تُقالُ لأيِّ أحَدٍ، كما جاءَ عنِ السَّلَفِ: إنَّ مِنَ المَسائِل مَسائِلَ لا يَجمُلُ بالسَّائِلِ أن يَسألَ عنها، ولا بالمسؤولِ أن يُجيبَ فيها.
وفي الحَديثِ خُطورةُ الفتوى في كُلِّ مَسألةٍ.
وفيه خُطورةُ التَّسَرُّعِ في الفتوى .