أصاب المسلمون يومَ المدائنِ بُهارَ كِسرَى فثقُل عليهم أن يذهبوا به وكانوا يعُدُّونه للشِّتاءِ إذا ذهبت الرَّياحينُ ، وكانوا إذا أرادوا الشُّربَ شرِبوا عليه فكأنَّهم في رياضِ بساطٍ واحدٍ ستِّين في ستِّين أرضُه بذهبٍ ووشْيُه بفصوصٍ وثمرُه بجوهرٍ وورقُه بحريرٍ وماءِ ذهبٍ .

فلمَّا قسَم سعدٌ فيهم فضَلَّ عنهم ولم ينفِّقْ قسَمَه ، فجمع سعدٌ المسلمين فقال : إنَّ اللهَ قد ملأ أيديَكم وقد عسُر قسْمُ هذا البساطِ ولا يقوَى على شرائِه أحدٌ وأرَى أن تُطيِّبوا به أنفسَنا لأميرِ المؤمنين يضعُه حيثُ شاء ، ففعلوا فلمَّا قدِم على عمرَ بالمدينةِ رأَى رؤيًا فجمع النَّاسَ فحمِد اللهَ وأثنَى عليه واستشارهم في البساطِ وأخبرهم خبرَه ، فمن بين مشيرٍ بقبضِه وآخرَ مفوِّضٌ إليه وآخرَ مرقِّقٌ ، فقام عليٌّ رضِي اللهُ عنه حين رأَى عمرَ يأبَى حتَّى انتهى إليه فقال : لمَ تجعلُ علمَك جهلًا ونفسَك شكًّا ؟ إنَّه ليس لك من الدُّنيا إلَّا ما أعطيتَ فأمضيتَ أو لبِستَ فأبليتَ أو أكلتَ فأفنيتَ ، فقال : صدقتني فقطعه فقسَمه بين النَّاسِ فأصاب عليٌّ رضِي اللهُ عنه قطعةً منه فباعها بعشرين ألفًا وما هي بأجودِ تلك القطعِ

الدلالات الموضوعية:# غنائم - الغنائم وتقسيمها# مغازي - موقعة المدائن# رقائق وزهد - ما جاء في بذل النصح والمشورة# خلافة وإمامة - ما جاء في عمر بن الخطاب# جهاد - الفيء والغنيمة
المصدر: مسند الفاروق
الراوي: عبدالملك بن عمير
المحدث: ابن كثير
الحكم:أثر مشهور وإسناده هاهنا فيه انقطاع

بيانات التخريج:

أخرجه الطبري في ((تاريخه)) (13/284)

الشرح والتوضيح

لمَّا توفِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم انتَشَرَ الصَّحابةُ يُجاهدونَ في سَبيلِ اللهِ ويُبَلِّغونَ دينَه للنَّاسِ جَميعًا، ففتَحَ اللهُ لَهمُ البُلدانَ ونَصَرَهم وغَنِموا الأموالَ الكَثيرةَ، ومِن ذلك أنَّهم أصابوا أموالًا كَثيرةً مِن أموالِ كِسرى مَلِكِ الفُرسِ، وفي هذا الحَديثِ ذِكرُ شَيءٍ مِمَّا وقَعَ لَهم مِن تلك الأموالِ؛ يَقولُ عَبدُ المَلكِ بنُ عُمَيرٍ: إنَّه لَمَّا كان يَومُ المَدائِنِ، وهيَ عاصِمةُ الفُرسِ، افتَتَحَها المُسلمونَ في عَهدِ الخَليفةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه في السَّنةِ السَّادِسةَ عَشرةَ للهِجرةِ بقيادةِ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وأصابَ المُسلِمونَ فيها بهارَ كِسرى، أي: بساطَ كِسرى، فثَقُلَ على المُقاتِلينَ أن يَذهَبوا به، أي: أن يَأخُذوه مَعَهم إلى المَدينةِ، وكان الفُرس يُعِدُّونَ هذا البساطَ للشِّتاءِ إذا ذَهَبَتِ الرَّياحينُ، وكانوا إذا أرادوا الشُّربَ شَرِبوا عليه، فكَأنَّهم في رياضٍ، أي: بُستانٍ ورَوضةٍ ذاتِ خُضرةٍ، بساطٌ واحِدٌ سِتِّينَ في سِتِّينَ، أرضُه بذَهَبٍ، ووَشْيُه، أي: نَقشُه، بفُصوصِ، وثَمَرُه بجَوهَرٍ، وورَقُه بحَريرٍ وماءِ ذَهَبٍ.

فقَسَّمَ سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ هذا البِساطَ بَين الغانِمين، ومَعَ ذلك بَقيَ مِنه بَقيَّةٌ لَم يُمكِنْ قَسمُها، فجَمع سَعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ المُسلمينَ وقال: إنَّ اللَّهَ قد مَلَأ أيديَكُم، أي: قد أكرَمَكُم وأعطاكُمُ الشَّيءَ الكَثيرَ، وإنَّه قد عَسُرَ، أي: صَعُبَ قَسْمُ هذا البساطِ، ولا يَقوى على شِرائِه أحَدٌ، أي: لأنَّ سِعرَه سَيَكونُ مُرتَفِعًا جِدًّا، ولا أحَدَ يَملِكُ قيمةَ شِرائِه، وأرى أن تَطيبوا به أنفُسًا، أي: أن تَتَنازَلوا به وتُهدوه لأميرِ المُؤمِنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه يَضَعُه حَيثُ شاءَ، ففعَلوا.

فلَمَّا قَدِموا بهذا البِساطِ على عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه في المَدينةِ، رَأى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه رُؤيا بشَأنِ هذا البِساطِ، فجَمع النَّاسَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، واستَشارَهم في البساطِ وأخبَرَهم خَبَرَه، أي: بالرُّؤيا التي رَآها، فافتَرَقَ الصَّحابةُ في ذلك؛ فمِن بَينِ مُشيرٍ بقَبضِه، أي: أن يَأخُذَه، وآخَرَ مُفوِّضٍ إليه، أي: يَرى أنَّ عُمَرَ موكَّلٌ في أن يَفعَلَ به ما شاءَ، وآخَرَ مُرَقِّقٍ، أي: مُهَوِّنٍ في الأمرِ، فقامَ عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه حينَ رَأى عُمَرَ يَأبى أخْذَ هذا البِساطِ حَتَّى انتَهى إليه، فقال عليٌّ: لِمَ تَجعَلُ عِلمَك جَهلًا، ونَفسَك شَكًّا؟ إنَّه ليس لَك مِنَ الدُّنيا إلَّا ما أعطَيتَ فأمضَيتَ، أو لَبِستَ فأبلَيتَ أو أكَلتَ فأفنَيتَ، أي: أنَّ حالَ الدُّنيا هكذا، فلا تُشَدِّدْ في الأمرِ، فقال عُمَرُ: صَدَقْتَني.

فقَطعَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه البِساطَ وقَسَّمه بَينَ النَّاسِ، فأصابَ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه قِطعةً مِن هذا البساطِ فباعَها عليٌّ بعِشرينَ ألفًا، وما هيَ بأجودِ تلك القِطَعِ! أي: أنَّ ما باعَه عليٌّ كان بعِشرينَ ألفًا وقِطعَتُه التي باعَها لَم تَكُنْ بأجوَدِ القِطَعِ التي قَسَّمَها عُمَرُ، فما بالُكُم ببَقيَّةِ القِطَعِ الأُخرى؟! وهذا يَدُلُّ على أنَّه كان بِساطًا ثَمينًا غاليًا.

وفي الحَديثِ بَيانُ ما مَنَّ اللهُ تعالى به على المُسلِمينَ مِنَ الغَنائِمِ.

وفيه أنَّ الغَنيمةَ تُقَسَّمُ على المُقاتِلينَ.

وفيه مَشروعيَّةُ إعطاءِ الأميرِ مِنَ الغَنيمةِ برِضا الغانِمينَ.

وفيه استِشارةُ الأميرِ لأصحابِ المَشورةِ فيما يُشكِلُ عليه مِنَ الأُمورِ.

وفيه ورَعُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه فَضلُ ومَكانةُ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه.

وفيه أنَّ للأميرِ أن يَقسِمَ ما يُعطى له بَينَ النَّاسِ بحَسَبِ ما يَراه .

الأصول والأحكام

تاريخ الطبري - العلمية (13/ 284) كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبدالملك بن عمير قال اصاب المسلمون يوم المدائن بهار كسرى ثقل عليهم أن يذهبوا به وكانوا يعدونه للشتاء إذا ذهبت الرياحين فكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا عليه فكأنهم في رياض بساط ستين في ستين أرضه بذهب ووشيه بفصوص وثمره بجوهر وورقه بحرير وماء الذهب وكانت العرب تسميه القطف فلما قسم سعد فيئهم فضل عنهم ولم يتفق قسمته فجمع سعد المسلمين فقال إن الله قد ملأ أيديكم وقد عسر قسم هذا البساط ولا يقوى على شرائه أحد فأرى أن تطيبوا به نفسا لأمير المؤمنين يضعه حيث شاء ففعلوا فلما قدم على عمر المدينة رأى رؤيا فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه واستشارهم في البساط وأخبرهم خبره فمن بين مشير بقبضه وآخر مفوض إليه وآخر مرقق فقام علي حين رأى عمر يأبى حتى انتهى إليه فقال لم تجعل علمك جهلا ويقينك شكا إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت قال صدقتني فقطعه فقسمه بين الناس فاصاب عليا قطعة منه فباعها بعشرين ألفا وما هي بأجود تلك القطع.

أحاديث ذات صلة