جاءَ أصحابُ الفيلِ حتى نزلوا الصِّفَاحَ (موضعَ خارجِ مكةَ مِن جهةِ طريقِ اليَمَنِ) فأتاهم عبدُ المطلبِ، فقال: إن هذا بيتُ اللهِ، لم يُسَلِّطْ عليه أحدًا.
فقالوا: لا نَرْجِعُ حتى نَهْدِمَه.
فكانوا لا يُقَدِّمون الفيلَ قبلَهم إلا تَأْخَّرَ! فدعا اللهُ الطيرَ الأبابيلَ فأعطاه حجارةً سُودًا، فلما حاذَتْهم رَمَتْهم، فما بَقِيَ منهم أحدٌ إلا أَخَذَتْه الحِكَّةُ، فكان لا يَحُكُّ أحدٌ منهم جلدَه إلا تَساقَطَ لحمُه.
أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (1/ 124)، وعبد بن حميد، وابن مردويه كما في ((الدر المنثور)) للسيوطي (8/ 629) باختلاف يسير.
شَرَّف اللَّهُ تعالى الكَعبةَ وجَعَلَها مُعَظَّمةً مِن حينِ بَناها إبراهيمُ عليه السَّلامُ وأصبَحَت قِبلةً للعالَمينِ يَقصِدُها النَّاسُ مِن كُلِّ مَكانٍ، وكان العَرَبُ في جاهليَّتِهم يَعرِفونَ لهذا البَيتِ قَدْرَه ومَكانتَه، وأنَّ أيَّ شَخصٍ يَتَعَرَّضُ له عاقَبَه اللهُ تعالى، ومِن ذلك أنَّ اللَّهَ تعالى حَبَس عن مَكَّةَ الفيلَ، وذلك أنَّ أَبرَهةَ الأشرَمَ الحَبَشيَّ لَمَّا غَلَبَ على اليَمَنِ وكان نَصرانيًّا، بَنى كَنيسةً وألزَمَ النَّاسَ بالحَجِّ إليها بَدَلَ الكَعبةِ، فعَمَدَ بَعضُ العَرَبِ فاستَغفلَ الحُرَّاسَ وتَغَوَّطَ في الكَنيسةِ وهَرَبَ! فغَضِبَ أبرَهةُ وعَزَم على تَخريبِ الكَعبةِ، فتَجَهَّز في جَيشٍ كَبيرٍ واستَصحَبَ مَعَه فيلًا عَظيمًا، فلَمَّا قَرُبَ مِن مَكَّةَ نَزَلوا مَكانًا يُقالُ له الصِّفاحُ، وهو مَوضِعٌ خارِجَ مَكَّةَ مِن جِهةِ طَريقِ اليَمَنِ، فأتاهم عَبدُ المُطَّلِبِ جَدُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو سَيِّدُ قُرَيشٍ، وحَذَّرَهم مِمَّا جاؤوا لأجلِه، وقال لَهم: إنَّ هذا بَيتُ اللهِ، لَم يُسَلِّطْ عليه أحَدًا.
فقال أصحابُ الفيلِ: لا نَرجِعُ، أي: إلى بلادِنا، حَتَّى نَهدِمَه.
فكانوا لا يُقدِّمونَ الفيلَ قِبَلَهم، أي: أمامَهم نَحوَ الكَعبةِ، إلَّا تَأخَّرَ! أي: رَجَعَ الفيلُ إلى الخَلفِ وتَوقَّف عنِ التَّقدُّمِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى أرسَلَ عليهمُ الطَّيرَ الأبابيلَ، مَعَ كُلِّ طَيرٍ حِجارةٌ سُودٌ، مَعَ كُلٍّ واحِدٍ ثَلاثةُ أحجارٍ: حَجَرانِ في رِجلَيه، وحَجَرٌ في مِنقارِه، فلَمَّا حاذَتِ الطُّيورُ أصحابَ الفيلِ وأصبَحَت فوقَهم رَمَتْهم بتلك الحِجارةِ، فما بَقيَ مِنهم أحَدٌ إلَّا أخَذَته الحِكَّةُ.
بسَبَبِ ذلك الحَجَرِ، فكان لا يَحُكُّ أحَدٌ مِنهم جِلدَه إلَّا تَساقَطَ لَحمُه.
فقيلَ: إنَّ أوَّلَ ما وقَعَتِ الحَصباءُ والجُدَريُّ بأرضِ العَرَبِ مِن يَومئِذٍ، وقد ذَكَرَ اللهُ تعالى قِصَّةَ أصحابِ الفيلِ في القُرآنِ الكَريمِ في سورةِ الفيلِ.
وفي الحَديثِ حِفظُ اللَّهِ تعالى لبَيتِه.
وفيه عُقوبةُ مَن تَعَرَّض لبَيتِ اللهِ تعالى .
[دلائل النبوة - البيهقي] (1/ 124) :
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال: حدثنا أحمد بن عبيد، قال: حدثنا أبو عمران التستري، قال: حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، قال: حدثنا ثابت بن يزيد، قال: حدثنا هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس ، قال: جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح ، فجاءهم عبد المطلب، جد النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: إن هذا بيت الله، تعالى، لم يسلط الله عليه أحدا.
قالوا: لا نرجع حتى نهدمه.
قال: وكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر.
فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سودا عليها الطين، فلما حاذتهم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكة، فكان لا يحك إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه.