لا تَثْرِيبَ عليكم اليومَ يَغْفِرُ اللهُ لكم وهوَ أرْحَمُ الرحمينَ وأنشدَهُ أبو سفيانَ أبياتًا جاء فيها : لعمرُكَ إِنَّي حينَ أَحْمِلُ رايةً لِتَغْلِبَ خيلُ اللاتِ خيلَ محمَّدٍ لكالْمُدْلِجِ الحيرانَ أظلَمَ ليلُهُ فهذا أوانِي حينَ أُهْدَى فأهْتَدِي هداني هادٍ غيرُ نفْسِي ودَلَّنِي على اللهِ مَنْ طَرَدتُّهُ كلَّ مَطْرَدِ فضربَ الرسولُ علَى صدْرِهِ وهُوَ يقولُ لَهُ : أنتَ طَرَدتَّنِي كُلَّ مَطْرَدِ .

الدلالات الموضوعية:# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - رحمته# استغفار - مغفرة الله تعالى للذنوب العظام وسعة رحمته# مغازي - فتح مكة# قدر - سبب الهداية# شعر - استماع النبي للشعر وإنشاده في المسجد
المصدر: فقه السيرة
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: الألباني
الحكم:حسن

بيانات التخريج:

أخرجه الحاكم (4359)، وأبو نعيم الأصبهاني في ((معرفة الصحابة)) (6231)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (5/ 27) جميعهم مطولا بنحوه.

الشرح والتوضيح

لمَّا فتَحَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَكَّة في السَّنةِ الثَّامِنةِ للهِجرةِ ونَصرَه اللَّهُ تعالى على أعدائِه الذينَ آذَوه وآذَوا أصحابَه بجَميعِ أنواعِ الأذى وقاتَلوه وأخرَجوه مِن بَلَدِه، فقال لكُفَّارِ قُرَيشٍ عِندَ ذلك: ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بكُم؟ أي: بَعدَ كُلِّ الذي عَمِلتُموه مَعي، فقالوا له: أخٌ كَريمٌ، وابنُ أخٍ كَريمٍ! فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تَثريبَ عليكُمُ اليَومَ، أي: لا لَومَ ولا عَتبَ عليكُمُ اليَومَ، يَغفِرُ اللهُ لَكُم وهو أرحَمُ الرَّحِمَينِ.

وهذا القَولُ مِنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَقَولِ يوسُفَ عليه السَّلامُ لإخوتِه عِندَما أخطؤوا في حَقِّه ثُمَّ أظهَرَه اللهُ عليهم، فقال لَهم: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .

ثُمَّ إنَّ أبا سُفيانَ -وهو أبو سُفيانَ بنُ الحارِثِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ؛ ابنُ عَمِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أنشَدَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبياتًا يَعتَذِرُ فيها عَمَّا كان فيه قَبلَ إسلامِه؛ فإنَّه قد كان شاعِرًا يَهجو النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويُعامِلُه مُعامَلةً سَيِّئةً، قال فيها: لعَمْرُك إنِّي حينَ أَحمِلُ رايةً لتَغلِبَ خَيلُ اللَّاتِ خَيلُ مُحَمَّدِ ومَعنى البَيتِ: أقسَمَ بحَياتِه أنَّه حينَ يَخرُجُ يَقودُ النَّاسَ للحَربِ حَتَّى يَغلِبَ جَيشُ اللَّاتِ -أي: جَيشُ الكُفرِ- جَيشَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

واللَّاتُ: صَنَمٌ مِن أصنامِهم.

وقَولُه (لعَمْرُك) مِنَ اليَمينِ الذي جَرى عليه لسانُهم، وليس مِنَ الحَلفِ بغَيرِ اللهِ، وقد جاءَ الحَلِفُ به في عِدَّةِ أحاديثَ، وقيلَ: إنَّ هذا كان قَبلَ النَّهيِ عنِ الحَلِفِ بغَيرِ اللهِ، أو كان مَأذونًا بهذا الإقسامِ وأنَّه مِن خَصائِصِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

لكالمُدلِجِ الحَيرانِ أظلَمَ لَيلُه فهذا أواني حينَ أُهدى فأَهتَدي والمَعنى: أنَّه شَبَّه حالَه بخُروجِه لقِتالِ جَيشِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَحالِ الشَّخصِ المُدْلجِ، أي: الماشي وقتَ الدُّلجةِ، وهيَ السَّيرُ آخِرَ اللَّيلِ، وهو حَيرانُ تائِهٌ عن مَقصِدِه لا يَدري أينَ يَسيرُ، ثُمَّ بَعدَ ذلك عَرَف طَريقَه الصَّحيحَ.

وهذا حالُ أبي سُفيانَ أنَّه في آخِرِ الأمرِ عَرَف أنَّ الإسلامَ هو الطَّريقُ الصَّحيحُ، فأسلَمَ.

هَداني هادٍ غَيرُ نَفسي ودَلَّني على اللهِ مَن طَردتُه كُلَّ مطرَدِ والمَعنى: أنَّ الذي هَداني لهذا الدِّينِ هو مَن طَرَدتُه وأخرَجتُه مِن مَكَّةَ! يَقصِدُ بذلك النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فضَرَبَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على صَدرِ أبي سُفيانَ، وقال له مُنكِرًا عليه: أنتَ طَرَدتَني كُلَّ مطرَدٍ؟! وقد حَسُنَ إسلامُه بَعدَ ذلك رَضِيَ اللهُ عنه، ويُقالُ: إنَّه ما رَفعَ رَأسَه إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنذُ أسلَمَ حَياءً مِنه! وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحِبُّه وشَهدَ له بالجَنَّةِ، وقال: أرجو أن يَكونَ خَلَفًا مِن حَمزةَ.

ولَمَّا حَضَرَته الوفاةُ قال: لا تَبكوا عَلَيَّ، فإنِّي لمَ أتَنَطَّفْ -أي أتلَطَّخْ- بخَطيئةٍ مُنذُ أسلَمتُ.

وفي الحَديثِ بَيانُ حُسنِ خُلُقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَ قَومِه.

وفيه عَفوُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كُفَّارِ قُرَيشٍ.

وفيه سَماعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للشِّعرِ.

وفيه إسلامُ أبي سُفيانَ بنِ الحارِثِ وتَوبَتُه رَضِيَ اللهُ عنه .

الأصول والأحكام

المستدرك للحاكم (3/ 46) 4359 - حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار، فلم يتخلف عنه منهم أحد، وقد عميت الأخبار على قريش، فلا يأتيهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فقالت: يا رسول الله، ابن عمك، وابن عمتك، وصهرك، فقال: لا حاجة لي فيهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي، قال لي بمكة ما قال فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له فقال: والله ليأذنن رسول صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا أو جوعا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه، واعتذاره مما كان مضى فيه، فقال:

[البحر الطويل]

لعمرك إني يوم أحمل راية ...

لتغلب خيل اللات خيل محمد

لكا لمدلج الحيران أظلم ليلة ...

فهذا أوان الحق أهدي وأهتدي

فقل لثقيف لا أريد قتالكم ...

وقل لثقيف تلك عندي فاوعدي

هداني هاد غير نفسي ودلني ...

إلى الله من طردت كل مطرد

أفر سريعا جاهدا عن محمد ...

وأدعي ولو لم أنتسب لمحمد

هم عصبة من لم يقل بهواهم ...

وإن كان ذا رأي يلم ويفند

أريد لأرضيهم ولست بلافظ ...

مع القوم ما لم أهد في كل مقعد

فما كنت في الجيش الذي نال عامرا ...

ولا كل عن خير لساني ولا يدي

قبائل جاءت من بلاد بعيدة ...

توابع جاءت من سهام وسردد

وإن الذي أخرجتم وشتمتم ...

سيسعى لكم سعي امرئ غير قعدد

قال: فلما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى الله من طردت كل مطرد، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، فقال: أنت طردتني كل مطرد ، قال ابن إسحاق: ماتت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواء، وهي تزور خوالها من بني النجار هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ، وأبو سفيان بن الحارث أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعتهما حليمة، وابن عمه، ثم عامل النبي صلى الله عليه وسلم بمعاملات قبيحة، وهجاه غير مرة حتى أجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه بقصيدته التي، يقول فيها:

[البحر الوافر]

هجوت محمدا فأجبت عنه ...

وعند الله في ذاك الجزاء

الحديث والقصيدة بطولها مخرجة في الحديث الصحيح لمسلم رحمه الله تعالى، وقد كان حسان بن ثابت رضي الله عنه يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهجوه فلا يأذن له

معرفة الصحابة لأبي نعيم (5/ 2586) 6231 - حدثنا حبيب بن الحسن، قال، ثنا محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن محمد بن أيوب، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ، قال: " ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري , وخرج لعشر مضين من رمضان , قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه , فكلمته أم سلمة فيهما , فقالت: يا رسول الله ابن عمك , وابن عمتك , وصهرك , قال: لا حاجة لي بهما قال: فلما خرج الخبر إليهما , ومع أبي سفيان بني له , قال: والله لتأذنن لي , أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما، ثم أذن لهما، فدخلا عليه فأسلما، وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه , واعتذاره مما كان مضى منه:

[البحر البسيط]

لما أتت من بني عمي ململمة ...

تدعو إلى الحق عند الحق والكرم

هتفت: لبيك من داع وقلت له: ...

واها لذلك من داع ومن حكم

أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ...

إذا تفرقت الأشياع في الأمم

يدعو إلى الحق ميمونا نقيبته ...

يجلو بضوء سناه داجي الظلم"

دلائل النبوة للبيهقي (5/ 27) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ، قال: " مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم، وألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار فلم يتخلف منهم أحد، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو صانع.

وكان أبو سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية العقاب، فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك، فقال: " لا حاجة لي بهما: أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال"، فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له فقال: والله ليأذنن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا أو جوعا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه، فقال:

لعمرك إني يوم أحمل راية ...

لتغلب خيل اللات خيل محمد

لكالمدلج الحيران أظلم ليله ...

فهذا أواني حين أهدى وأهتدي

هداني هاد غير نفسي ونالني ...

مع الله من طردت كل مطرد

أصد وأنأى جاهدا عن محمد ...

وأدعى وإن لم أنتسب من محمد

هم ما هم من لم يقل بهواهم ...

وإن كان ذا رأي يلم ويفند

أريد لأرضيهم ولست بلائط ...

مع القوم ما لم أهد في كل مقعد

فقل لثقيف لا أريد قتالكم ...

وقل لثقيف تلك غيري وأوعدي

فما كنت في الجيش الذي نال عامرا ...

ولا كان عن جري لساني ولا يدي

قبائل جاءت من بلاد بعيدة ...

نزائع جاءت من سهام وسردد

قال: فذكروا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن طردت كل مطرد، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد

أحاديث ذات صلة