يا جريرُ ! تواضَعْ لله ، فإنه من تَواضعَ لله في الدنيا رفعَه اللهُ يومَ القيامةِ يا جريرُ هل تدري ما الظُّلُماتُ يومَ القيامةِ ؟ قلتُ : لا أدري قال : ظُلْمُ الناسِ بينهم ، ثم أخذ عُوَيدًا لا أكاد أراه بين إصبعَيه فقال : يا جريرُ ! لو طلبتَ في الجنَّةِ مثلَ هذا لم تجدْه قلتُ : يا أبا عبدِ اللهِ ! فأين النخلُ والشَّجرُ ؟ قال : أصولُها الُّلؤلؤُ والذَّهبُ ، أعلاه الثَّمَرُ .
أخرجه ابن أبي شيبة (35808)، وهناد في ((الزهد)) (98)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (858) باختلاف يسير.
التَّواضُعُ مِنَ الأخلاقِ الفاضِلةِ التي حَثَّت عليها الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ وبَيَّنَت مَنزِلَتَه عِندَ اللهِ تعالى، وقد أوحى اللهُ تعالى إلى نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أن تَواضَعوا، بحَيثُ لا يَتَرَفَّعُ أحَدٌ على أحَدٍ بشَيءٍ أُعطيَه مِن مالٍ أو جاهٍ أو نَحوِ ذلك، فما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفعَه اللهُ، وقد كان الصَّحابةُ يوصي بَعضُهم بَعضًا بالتَّواضُعِ؛ فقد أوصى سَلمانُ الفارِسيُّ رَضِيَ اللهُ عنه جَريرَ بنَ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما بالتَّواضُعِ، وحَذَّرَه مِنَ الظُّلمِ، فقال له: يا جَريرُ! تَواضَعْ للَّهِ.
وذلك بأن لا تَرى لنَفسِك مَنزِلةً أعظَمَ مِن بَقيَّةِ النَّاسِ فتَتَرَفَّعَ عليهم؛ فإنَّه مِن تَواضَعَ للَّهِ في الدُّنيا رَفعَه اللهُ يَومَ القيامةِ، أي: رَفعَ مَكانتَه يَومَ القيامةِ ورَفَع ثَوابَه فيها جَزاءَ تَواضُعِه في الدُّنيا.
ثُمَّ قال له: يا جَريرُ، هَل تَدري ما الظُّلُماتُ يَومَ القيامةِ؟ أي: مِمَّ تَكونُ الظُّلُماتُ يَومَ القيامةِ؟ فقال جَريرٌ: لا أدري.
فقال سَلمانُ: ظُلمُ النَّاسِ بَينَهم، أي: أنَّ ظُلمَ النَّاسِ بَعضِهم لبَعضٍ في الدُّنيا يَكونُ ظُلمةً عليهم يَومَ القيامةِ؛ ولهذا جاءَ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: الظُّلمُ ظُلُماتٌ يَومَ القيامةِ.
ثُمَّ أخَذَ سَلمانُ عُوَيدًا.
وهو تَصغيرُ عودٍ، أي: أخَذَ عودًا صَغيرًا جِدًّا، ومِن صِغَرِ العودِ قال جَريرٌ: لا أكادُ أرى العُودَ بَينَ إصبَعَيه لشِدَّةِ صِغَرِه، وقال له: يا جَريرُ، لَو طَلَبتَ في الجَنَّةِ مِثلَ هذا لَم تَجِدْه، أي: أنَّ الجَنَّةَ ليس فيها أعوادٌ، وشَجَرُها لا يَكونُ مِن أعوادٍ وورَقٍ كما هو في الدُّنيا.
فقال جَريرٌ: يا أبا عَبدِ اللهِ، وهيَ كُنيةُ سَلمانَ، فأينَ النَّخلُ والشَّجَرُ؟ أي: إذا كانتِ الجَنَّةُ ليس فيها أعوادٌ، فكَيف يَكونُ فيها النَّخلُ والشَّجَرُ، وهيَ مِنَ الأعوادِ؟ فقال سَلمانُ: أُصولُها اللُّؤلُؤُ والذَّهَبُ، أي: جُذورُ النَّخلِ والشَّجَرِ تكونُ مِنَ اللُّؤلُؤِ والذَّهَبِ، وأعلاه يَكونُ الثَّمَرُ.
وفي الحَديثِ التَّرغيبُ في خُلُقِ التَّواضُعِ وبَيانُ أجرِه.
وفيه خُطورةُ الظُّلمِ وأنَّه سَبَبُ الظُّلُماتِ يَومَ القيامةِ.
وفيه أنَّ شَجَرَ الجَنَّةِ أُصولُها مِن لُؤلُؤٍ وذَهَبٍ.
وفيه مَشروعيَّةُ الإشارةِ باليَدِ لتَقريبِ المَعنى للسَّامِعينَ .