لَمَّا كان حينَ فُتِحتْ نهاوَندُ أصابَ [ المسلمونَ ] سَبايا من اليهودِ ، فَأقبلَ رَأسُ الجالوتِ فَتلَقَّى سَبايا اليهودِ ، فَأصابَ رَجلٌ من المسلِمينَ جارِيةً وَضيئَةً صَبيحَةً ، فقالَ لي : هَل لكَ أَن تَمشيَ مَعي إلى هذا الإنسانِ عَسَى أن يُثمِّنَ لي في هَذهِ الجاريةِ ، فانطَلقتُ معهُ فَدخَلْنا علَى شيخٍ مُستكبِرٍ لهُ تُرْجُمَانٌ فقال لِرجلٍ معهُ : سَلْ هذِه الجاريةَ هل وقَعَ علَيها هَذا العربيُّ ؟ ورَأيتُ أَنَّه غَارَ حين رَأَى حُسنَها ، فَراطَنَها بِلِسانِه فَفَهِمْتُ الَّذي قالَ ، [ قال ] : فقلتُ لهُ : لقد أَثِمْتَ بِمَا تَجِدُ في كتابِكَ بِسؤَالِكَ هذِه الجاريةَ عَمَّا وراءَ ثِيابِها .

فقال لي : كَذبتَ ، وما يُدريكَ ما في كِتابي ، قال : قلتُ : أنا أَعلمُ بِكتابِكَ منكَ ، قال : أنتَ أَعلَمُ بِكتابِي مِنِّي ؟ ! قُلتُ : نعَم ، أنا أَعلَمُ بِكتابِكَ مِنكَ ، قالَ : مَن هذا ؟ قالوا : عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ ، قال : فانصَرفتُ مِن عندِه ذلكَ اليومَ ، فأرسلَ إليَّ رسولًا : لَتأْتينِّي بِعزْمةٍ وبَعثَ إليَّ بِدابَّةٍ ، قال : فانطَلقتُ إليه احتِسابًا رَجاءَ أن يُسْلِمَ ، فَحبسنِي عِندَه ثلاثةَ أيَّامٍ أقرَأُ عليهِ التَّوراةَ ويَبكي ، فقُلتُ لهُ : إنَّه واللهِ لَهوَ النَّبيُّ الَّذي تَجِدونَه في كِتابِكُمْ ، فقالَ لي : فكَيف أَصنَعُ باليهودِ ؟ قال : قلتُ : إنَّ اليَهودَ لن يُغنُوا عنكَ مِن اللهِ شيئًا ، فَأبى أن يُسلِمَ ، وغَلبَ عليهِ الشَّقاءُ

الدلالات الموضوعية:# مغازي - موقعة نهاوند# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - ما كان عند أهل الكتاب في أمر نبوته صلى الله عليه وسلم# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - صفة النبي وأمته في كتب أهل الكتاب# غنائم - السبي# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - شهادة أهل الكتاب بصدقه صلى الله عليه وسلم
المصدر: المطالب العالية
الراوي: عبدالله بن سلام
المحدث: ابن حجر العسقلاني
الحكم:صحيح موقوف

بيانات التخريج:

أخرجه ابن أبي شيبة (33792)، وأبو محمد السرقسطي في ((غريب الحديث)) (445)، مختصرا.

الشرح والتوضيح

الإسلامُ دينُ اللهِ الحَقُّ، كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] ، ولَكِنَّ بَعضَ النَّاسِ قد يَمتَنِعُ مِنَ الإسلامِ لكِبرٍ في نَفسِه أو عِنادٍ، مَعَ مَعرِفتِه بأنَّه الدِّينُ الصَّحيحُ، كما هو حالُ اليَهودِ، يَقولُ اللهُ تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146] ؛ ولهذا كان الذين أسلَموا مِنَ اليَهودِ في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَليلًا، ومِمَّن أسلمَ عَبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنه أحَدُ أحبارِ وعُلَماءِ اليَهودِ؛ فإنَّه أسلَمَ عِندَما قدِمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ، وقد ذَكَرَ عَبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنه قَصَّته مَعَ أحَدِ اليَهودِ الذين امتَنَعوا مِنَ الإسلامِ خَشيةَ اليَهودِ، يَقولُ عَبدُ اللهِ: لمَّا كان حينَ فُتِحَت نَهاوَندُ، وهيَ مَدينةٌ عَظيمةٌ في بلادِ فارِسَ، افتَتَحَها المُسلمونَ سَنة إحدى وعِشرينَ للهجرةِ زَمَنَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، أصابَ، أي: غَنِمَ المُسلِمونَ سَبايا، أي: جِواريَ مِنَ اليَهودِ.

فأقبلُ رَأسُ الجالوتِ، وهو رَئيسُهم، والجالوتُ: همُ الجاليةُ الذينَ جَلَوا عن أوطانِهم ببَيتِ المَقدِسِ، ويَكونُ رَأسُ الجالوتِ مِن وَلَدِ داوُدَ عليه السَّلامُ، فتَلقَّى سَبايا اليَهودِ، أي: جاءَ يُفادي سَبايا اليَهودِ ويَدفعُ الثَّمَنَ عنهنَّ، كما في رِوايةٍ أُخرى، فأصابَ رَجُلٌ مِنَ المُسلِمينَ، أي: وقَعَت في نَصيبِه مِنَ المَعرَكةِ جاريةٌ وَضيئةٌ صَبيحةٌ، أي: حَسَنةُ الوَجهِ مُشرِقةٌ جَميلةٌ.

فقال هذا الرَّجُلُ لعَبدِ اللهِ بنِ سَلامٍ: هَل لك أن تَمشيَ مَعي إلى هذا الإنسانِ.

يَقصِدُ به الجالوتَ، عَسى أن يُثَمِّنَ لي في هذه الجاريةِ، أي: حَتَّى يَنظُرَ كَم سَيَكونُ ثَمَنُها، فيَطلُبَ ثَمَنَها مِنَ الجالوتِ.

فانطَلَقَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ مَعَ الرَّجُلِ حَتَّى دَخَلوا على الجالوتِ، وهو شَيخٌ مُستَكبِرٌ له تَرجُمانٌ.

وهو الذي يُتَرجِمُ الكَلامَ، أي: يَنقُلُه مِن لُغةٍ إلى لُغةٍ أُخرى.

فقال الجالوتُ لتَرجُمانِه: سَلْ هذه الجاريةَ: هَل وقَعَ عليها هذا العَرَبيُّ؟ أي: هَل وطِئَها هذا الرَّجُلُ، يَقولُ عَبدُ اللهِ: ورَأيتُ أنَّه غارَ حينَ رَأى حُسنَها، أي: أنَّ الجالوتَ أخَذَته الغَيرةُ مِن جَمالِ الجاريةِ أن تَكونَ لهذا العَرَبيِّ.

فراطَنَها، أي: كَلَّمَها التَّرجُمانُ بلسانِه.

والمُراطَنةُ: التَّكَلُّمُ بالعَجَميَّةِ، وهو كَلامٌ لا يَفهَمُه العَرَبُ، يَقولُ عَبدُ اللهِ: ففَهِمتُ ماذا قال لَها؛ وذلك لأنَّ عَبدَ اللهِ بنَ سَلامٍ يَعرِفُ لُغةَ اليَهودِ ويَعرِفُ كِتابَهم.

فقال عَبدُ اللهِ للجالوتِ: لَقد أثِمتَ بما تَجِدُ في كِتابِك بسُؤالِك هذه الجاريةَ عَمَّا وراءَ ثيابِها، أي: أنَّك وقَعتَ في الإثمِ لكَونِك سَألتَ الجاريةَ عَمَّا تَحتَ ثيابِها، ولَعَلَّه سَألَها هَل وطِئَها هذا الرَّجُلُ أم لا، أو نَحوَ ذلك مِنَ الكَلامِ، وهذا الأمرُ مَنهيٌّ عنه في كِتابِكُم ومَوجودٌ فيه.

فقال الجالوتُ لعَبدِ اللهِ: كَذَبتَ، وما يُدريك ما في كِتابي! فقال عَبدُ اللهِ: أنا أعلَمُ بكِتابِك مِنك! لأنَّ عَبدَ اللهِ كان مِن عُلَماءِ اليَهودِ.

فقال الجالوتُ لعَبدِ اللهِ مُستَفهِمًا ومُتَعَجِّبًا: أنتَ أعلَمُ بكِتابي مِنِّي؟! كان يَظُنُّ أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ سَلامٍ مِنَ المُسلِمينَ وليس له مَعرِفةٌ باليَهودِ.

فقال عَبدُ اللهِ: نَعَم، أنا أعلَمُ بكِتابِك مِنك؛ فعِندَ ذلك سَألَ الجالوتُ مَن حَولَه، وقال: مَن هذا؟ فقالوا له: هذا عَبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ.

ثُمَّ إنَّ عَبدَ اللهِ بنَ سَلامٍ انصَرَف مِن عِندِ الجالوتِ ذلك اليَومَ.

فأرسَلَ الجالوتُ إلى عَبدِ اللهِ رَسولًا لتَأتِيَنِّي بعَزمةٍ، أي: أعزِمُ عليك إلَّا أن تَأتيَ، وبَعَثَ إليه بدابَّةٍ يَأتي عليها.

فانطَلَقَ عَبدُ اللهِ إليه احتِسابًا، أي: طالِبًا الأجرَ والثَّوابَ مِنَ اللهِ رَجاءَ أن يُسلِمَ، يَقولُ عَبدُ اللهِ: فحَبَسَني، أي: أقامني عِندَه ثَلاثةَ أيَّامٍ أقرَأُ عليه التَّوراةَ، وهو يَبكي.

فقال عَبدُ اللهِ له: إنَّه، أي: النَّبيَّ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واللَّهِ لَهُو النَّبيُّ الذي تَجِدونَه في كِتابِكُم، أي: في التَّوراةِ.

فقال الجالوتُ لعَبدِ اللهِ: فكَيف أصنَعُ باليَهودِ؟ أي: أخافُ مِنَ اليَهودِ أن يُؤذوني إذا أسلَمتُ أو يَعزِلوني عن مَنصِبي ومَكانتي، فقال له عَبدُ اللهِ: إنَّ اليَهودَ لَن يُغنوا عنك مِنَ اللهِ شَيئًا، أي: لَن يَنفعوك ولَن يَمنَعوك مِنَ اللهِ ومِنَ العَذابِ يَومَ القيامةِ.

ولَكِنَّ الجالوتَ أبى أن يُسلِمَ، أي: امتَنَعَ مِنَ الإسلامِ، وغَلَبَ عليه الشَّقاءُ، أي: ما هو عليه مِنَ الكُفرِ.

وفي الحَديثِ دَعوةُ غَيرِ المُسلمينَ إلى الإسلامِ.

وفيه مَعرِفةُ اليَهودِ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما في كُتُبِهم.

وفيه أنَّ مَهابةَ القَومِ والعَشيرةِ سَبَبٌ مانِعٌ مِن إسلامِ بَعضِ النَّاسِ.

وفيه مَشروعيَّةُ القِراءةِ مِنَ الكُتُبِ السَّابقةِ إذا كان هناكَ حاجةٌ ومَصلَحةٌ في الدَّعوةِ إلى الإسلامِ .

الأصول والأحكام

المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (15/ 658) :

3856 - وقال ابن أبي عمر: حدثنا بشر بن السري، ثنا مهدي بن ميمون، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لما كان حين ‌فتحت ‌نهاوند ‌أصاب المسلمون سبايا من اليهود، فأقبل رأس الجالوت فتلقى سبايا اليهود.

فأصاب رجل من المسلمين جارية وضيئة صبيحة.

فقال لي: هل لك أن تمشي معي إلى هذا الإنسان عسى أن يثمن لي في هذه الجارية؟ فانطلقت معه فدخلنا / على شيخ مستكبر له ترجمان، فقال لرجل معه: سل هذه الجارية هل وقع عليها هذا العربي؟ قال: ورأيت أنه غار حين رأى حسنها، فراطنها بلسانه، ففهمت الذي قال، فقلت له: لقد أثمت بما تجد في كتابك بسؤالك هذه الجارية عما وراء ثيابها.

فقال لي: كذبت، وما يدريك ما في كتابي؟ قال: قلت: أنا أعلم بكتابك منك.

قال: أنت أعلم بكتابي مني؟ .

قلت: نعم، أنا أعلم بكتابك منك.

قال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن سلام.

قال: فانصرفت من عنده ذلك اليوم، فأرسل لي رسولا لتأتيني بعزمة.

وبعث إلي بدابة قال: فانطلقت إليه احتسابا رجاء أن يسلم فحبسني عنده ثلاثة أيام أقرأ عليه التوراة ويبكي.

فقلت له: إنه والله لهو النبي الذي تجدونه في كتابكم.

فقال لي: فكيف أصنع باليهود؟ قال: قلت: إن اليهود لن يغنوا عنك من الله شيئا.

فأبى أن يسلم، وغلب عليه الشقاء.

صحيح موقوف

مصنف ابن أبي شيبة (6/ 558 ت الحوت) :

33792 - حدثنا أبو أسامة، قال: ثنا مهدي بن ميمون، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن سلام ، قال: " لما كان حين ‌فتحت ‌نهاوند ‌أصاب المسلمون سبايا من سبايا اليهود ، قال: وأقبل رأس الجالوت يفادي سبايا اليهود ، قال: وأصاب رجل من المسلمين جارية يسرة صبيحة ، قال: فأتاني فقال: لك أن تمشي معي إلى هذا الإنسان عسى أن يثمن لي بهذه الجارية ، قال: فانطلقت معه فدخل على شيخ مستكبر له ترجمان فقال لترجمانه: سل هذه الجارية ، هل وقع عليها هذا العربي؟ قال: ورأيته غار حين رأى حسنها ، قال: فراطنها بلسانه ففهمت الذي قال: فقلت له: أبحت بما في كتابك بسؤالك هذه الجارية على ما وراء ثيابها ، فقال لي: كذبت ما يدريك ما في كتابي ، قلت: أنا أعلم بكتابك منك ، قال: أنت أعلم بكتابي مني؟ قلت: أنا أعلم بكتابك منك ، قال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن سلام ، قال: فانصرفت ذلك اليوم ، قال: فبعث إلي رسولا يعزمه ليأتيني ، قال: وبعث إلي بدابة قال: فانطلقت إليه لعمر الله احتسابا رجاء أن يسلم ، فحبسني عنده ثلاثة أيام أقرأ عليه التوراة ويبكي ، قال: وقلت له: إنه والله لهو النبي الذي تجدونه في كتابكم ، قال: فقال لي: كيف أصنع باليهود؟ قال: قلت له: إن اليهود لن يغنوا عنك من الله شيئا؟ قال: فغلب عليه الشقاء وأبى أن يسلم "

الدلائل في غريب الحديث (2/ 828) :

445 - وقال في حديث عبد الله بن سلام رحمه الله، قال: لما كان حيث ‌فتحت ‌نهاوند، ‌أصاب المسلمون سبايا من سبايا اليهود، وأقبل رأس الجالوت يفادي سبايا من اليهود، فأصاب رجل من المسلمين جارية بشيرة صبيحة .

وذكر الحديث.

حدثناه موسى بن هارون، قال: نا شيبان بن فروخ، قال: نا مهدي بن ميمون، قال: نا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام

أحاديث ذات صلة