لو تعلمون قدرَ رحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، لاتَّكلتم وما عمِلتم من عملٍ ، و لو علِمتم قدرَ غضبِه ما نفعكم شيءٌ
أخرجه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن)) (64) واللفظ له،
مِن عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ إثباتُ الأسماءِ والصِّفاتِ للَّهِ تعالى، مِن غَيرِ تَعطيلٍ ولا تَحريفٍ، ومِن غَيرِ تَمثيلٍ ولا تَكييفٍ، بل يُثبِتونَ ما أثبَتَه اللَّهُ لنَفسِه في كِتابِه، وما أثبَتَه له رَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سُنَّتِه، ومِن صِفاتِ اللهِ تعالى الجَليلةِ صِفةُ الرَّحمةِ؛ فهو سُبحانَه رَحيمٌ بعِبادِه جَميعًا فرَحمَتُه وسِعَت كُلَّ شَيءٍ، ومِن عَظيمِ رَحمَتِه سُبحانَه أنَّه جَعَلَ الرَّحمةَ مِائةَ جُزءٍ، فأمسَكَ عِندَه تِسعةً وتِسعينَ جُزءًا، وأنزَلَ في الأرضِ جُزءًا واحِدًا، فمِن ذلك الجُزءِ يَتَراحَمُ الخَلقُ، حَتَّى تَرفعَ الفرَسُ حافِرَها، أي: قدَمَها عن ولَدِها؛ خَشيةَ أن تُصيبَه.
ومَعَ ذلك أخبَرَ سُبحانَه أنَّه شَديدُ العِقابِ، حَتَّى يَكونَ العَبدُ بَينَ الخَوفِ والرَّجاءِ، كما قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50] ، ولَكِنَّ رَحمَتَه سُبحانَه تَسبقُ غَضَبَه، وقد قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لَو تَعلَمونَ قَدْرَ رَحمةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لاتَّكَلتُم وما عَمِلتُم مِن عَمَلٍ! أي: مِن شِدَّةِ سَعةِ رَحمَتِه ومَغفِرَتِه لَتَرَكتُمُ العَمَلَ اتِّكالًا على سَعةِ رَحمَتِه سُبحانَه، وفي رِوايةٍ: وما عَمِلتُم إلَّا قَليلًا.
ولَو عَلِمتُم قَدْرَ غَضَبِه ما نَفعَكُم شَيءٌ! أي: لَن يَستَطيعَ أحَدٌ أن يُخَلِّصَكُم مِن غَضَبِه لا أعمالُكُم ولا غَيرُها.
وفي رِواية: لَظَنَنتُم ألَّا تَنجوا.
فيَنبَغي للعَبدِ ألَّا يُقَنِّطَ النَّاسَ مِن رَحمةِ اللهِ، ولا يُؤَمِّنَهم مِن غَضَبِه.
وفي الحَديثِ إثباتُ صِفةِ الرَّحمةِ للَّهِ تعالى كما يَليقُ بجَلالِه وكَمالِه.
وفيه بَيانُ سَعةِ رَحمةِ اللهِ تعالى.
وفيه إثباتُ صِفةِ الغَضَبِ للَّهِ تعالى كما يَليقُ بجَلالِه وكَمالِه.
وفيه أن يَعمَلَ الإنسانُ الأعمالَ الصَّالحةَ، ويَكونَ حالُه بَينَ الخَوفِ والرَّجاءِ .