لمَّا قدمَ جعفرٌ منَ الحبشةِ قالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : ما أعجبُ شيءٍ رأيتَ ؟ قالَ : رأيتُ امرأةً على رأسِها مِكْتلٌ من طعامٍ فمرَّ فارسٌ يركضُ فأذراهُ فجعلت تجمعُ طعامَها وقالَت : ويلٌ لَكَ يومَ يضعُ الملِكُ كرسيَّهُ فيأخذُ للمظلومِ منَ الظَّالمِ فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ تصديقًا لقولِها لا قُدِّسَت أمَّةٌ أو كيفَ قُدِّسَت أمة لا يؤخَذُ لضعيفِها من شديدِها وَهوَ غيرُ مُتَعْتعٍ .

الدلالات الموضوعية:# مظالم - تحريم الظلم# قيامة - الحساب والقصاص# أمر بالمعروف ونهي عن المنكر - الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر# غصب وضمانات - نصر المظلوم والأخذ على يد الظالم عند الإمكان# أمر بالمعروف ونهي عن المنكر - إثم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المصدر: المهذب في اختصار السنن
الراوي: بريدة بن الحصيب الأسلمي
المحدث: الذهبي
الحكم:إسناده صالح

بيانات التخريج:

أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (582)، والبزار (4464)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (5234) باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

جاءَ الإسلامُ بالتَّحذيرِ مِنَ الظُّلمِ والاعتِداءِ على النَّاسِ في أنفُسِهم وأموالِهم وأعراضِهم، فالظُّلمُ مِن أقبَحِ الكَبائِرِ، وهو ظُلُماتٌ يَومَ القيامةِ، كما أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: اتَّقوا الظُّلم؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يَومَ القيامةِ.

ولشَناعةِ الظُّلمِ وقُبحِه حَرَّمَه سُبحانَه على نَفسِه وجَعَلَه مُحَرَّمًا بَينَ خَلقِه، يَقولُ اللهُ في الحَديثِ القُدسيِّ: يا عِبادي، إنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعَلتُه بَينَكُم محرَّمًا، فلا تَظالَموا.

وقُبحُ الظُّلمِ مَعروفٌ عَقلًا وشَرعًا، وهو مُحَرَّمٌ في جَميعِ الأديانِ السَّابقةِ؛ ولهذا لمَّا هاجَرَ المُسلمونَ مِن مَكَّةَ إلى أرضِ الحَبَشةِ، وهيَ بلادُ نَصارى، وكان مِن ضِمنِ مَن هاجَر جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وقد عاشَ بَينَهم وعَرَف أحوالَهم، ولمَّا رَجَعَ المُسلمونَ مِن أرضِ الحَبَشةِ سَألَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَعفرًا، فقال له: ما أعجَبُ شَيءٍ رَأيتَ؟ أي: أخبِرْنا بأعجَبِ شَيءٍ رَأيتَه في تلك البلادِ، فقال جَعفرٌ: رَأيت امرَأةً على رَأسِها مِكتَلٌ، وهو الزِّنبيلُ الكَبيرُ مِن طَعامٍ، فبَينَما هيَ تَحمِلُ هذا المِكتَلَ إذ مَرَّ فارِسٌ يَركُضُ فأذراه، أي: أطارَه، فجَعَلَتِ المَرأةُ تَجمَعُ طَعامَها ثُمَّ قالت لهذا الفارِسِ: ويلٌ لك يَوم يَضَعُ المَلِكُ، أي: اللهُ تعالى، كُرسيَّه يَومَ القيامةِ للحِسابِ، فيَأخُذُ للمَظلومِ مِنَ الظَّالمِ! أي: أنَّ المَرأةَ تَوعَّدَت هذا الفارِسَ بيَومِ القيامةِ حينَ يَنتَقِمُ اللَّهُ في ذلك اليَومِ مِنَ الظَّالمِ للمَظلومِ.

فلَمَّا سَمِعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذه القِصَّةَ مِن جَعفَرٍ، قال تَصديقًا لقَولِ هذه المَرأةِ: لا قُدِّسَت أُمَّةٌ، أي: لا طُهِّرَت وظَهَرَت؛ فالتَّقديسُ هو التَّطهيرُ، أو كَيف قُدِّسَت أُمَّةٌ لا يُؤخَذُ لضَعيفِها مِن شَديدِها، أي: قَويِّها، وهو غَيرُ مُتَعتَعٍ، أي: مِن غَيرِ أن يُصيبَه أذًى يُقَلقِلُه ويُزعِجُه.

والاستِفهامُ مِنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنكارٌ وتَعَجُّبٌ، مَعناه: أخبِروني كَيف يُظهِرُ اللَّهُ قَومًا لا يَنصُرونَ الضَّعيفَ العاجِزَ على القَويِّ الظَّالمِ مَعَ تَمَكُّنِهم مِن ذلك، أي: لا يُظهِرُهم أبَدًا.

فمِن أينَ تَستَحِقُّ التَّقديسَ أُمَّةٌ هذا شَأنُها يُضطَهدُ الضَّعيفُ ولا يُنكَرُ ذلك.

وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ جَعفَرَ بنَ أبي طالبٍ كان مِمَّن هاجَرَ إلى الحَبَشةِ.

وفيه مَشروعيَّةُ التَّحديثِ بأعاجيبِ البُلدانِ والأقوامِ.

وفيه خُطورةُ عاقِبةِ الظُّلمِ.

وفيه إثباتُ الكُرسيِّ.

وفيه إثباتُ المُقاصَّةِ بَينَ العِبادِ في المَظالمِ يَومَ القيامةِ.

وفيه تَصديقُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للحَقِّ الذي في الكُتُبِ السَّابقةِ.

وفيه أنَّ الأُمَّةَ تُعاقَبُ كُلُّها عِندَ عَدَمِ إنكارِ الظُّلمِ.

وفيه أنَّ الظُّلمَ سَبَبٌ لزَوالِ الأُمَمِ .

أحاديث ذات صلة