عن عُمَرَ أنَّه قال: خَطيئةٌ أُصيبُها بمكَّةَ أعَزُّ علَيَّ من سَبعين خَطيئةً بغَيرِها.
عَظَّمَ اللَّه تَعالى شَأنَ مَكَّةَ مِن بَينِ سائِرِ البُلدانِ، فجَعلَها قِبلةَ المُسلمينَ ومَهوى أفئِدَتهم، وفضَّلها على جَميعِ البُلدانِ، وخَصَّها بأن جَعلَها حَرَمًا آمنًا، فقال تَعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ؛ ولهذا حَذَّرَ سُبحانَه مِن أن يُريدَها أحَدٌ بسوءٍ، فتَوعَّدَه بالعَذابِ الأليمِ، فقال تَعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] ؛ ولهذا كان السَّلَفُ يَستَعظِمونَ الذَّنبَ والمَعصيةَ في مَكَّةَ، ومِن ذلك قَولُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه: خَطيئةٌ أُصيبُها بمَكَّةَ، أي: أفعَلُها في مَكَّةَ، أعَزُّ، أي: أشُدُّ، عَلَيَّ مِن سَبعينَ خَطيئةً بغَيرِها، أي: بغَيرِ مَكَّةَ؛ ولهذا يَنبَغي على مَن سَكَنَ مَكَّةَ أو قَدِم إلَيها أن يُذَكِّرَ نَفسَه بكَلامِ عُمَرَ حَتَّى يَبتَعِدَ عنِ المَعاصي.
وإنَّما ذَكَر عُمَرُ السَّبعينَ مُريدًا بها التَّكثيرَ لا خُصوصَ هذا العَدَدِ؛ لأنَّه يُكَنَّى بها عِندَ العَرَبِ عنِ الكَثرةِ، كَقَولِه تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80] .
وفي الحَديثِ تَعظيمُ شَأنِ مَكَّةَ.
وفيه عِظَمُ الذَّنبِ والمَعصيةِ في مَكَّةَ على غَيرِها مِنَ البُلدانِ .