إنَّما مَثَلُنا في هذه الفِتنةِ، كمَثَلِ قَومٍ يَسيرونَ على جادَّةٍ يَعرِفونَها، فبَينا هم كذلك، إذْ غَشيَتْهم سَحابةٌ وظُلْمةُ، فأخَذَ بَعضُهم يَمينًا وشِمالًا، فأخَطَأ الطَّريقَ، وأقَمْنا حيث أدرَكَنا ذلك، حتى جَلا اللهُ ذلك عَنَّا، فأبصَرْنا طَريقَنا الأوَّلَ، فعَرَفْناه، فأخَذْنا فيه، إنَّما هؤلاء فِتيانُ قُرَيشٍ يَقتَتِلونَ على هذا السُّلطانِ، وعلى هذه الدُّنيا، ما أُبالي ألَّا يَكونَ لي ما يَقتُلُ عليه بَعضُهم بَعضًا بنَعْلَيَّ هاتَيْنِ الجَرداوَيْنِ.
أخرجه الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (3/ 237) بلفظه، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (1/ 309) باختلاف يسير.
أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببَعضِ الفِتَنِ التي ستَقَعُ بَعدَه منَ الاقتِتالِ بَينَ المُسلِمينَ، وأوصاهم بما يَنبَغي عَليهم فِعلُه تِجاهَ هذه الفِتَنِ، فلَمَّا توفِّيَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان بَعدَه عَهدُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ وسارَتِ الأُمورُ في عَهدِهم على أحسَنِ حالٍ مِنِ استِقامةِ أمرِ النَّاسِ وكَثرةِ الفُتوحاتِ الإسلاميَّةِ وانتِشارِ الإسلامِ، ثُمَّ أعقَبَ ذلك وُقوعُ الفِتَنِ بَعدَ مَقتَلِ أميرِ المُؤمِنينَ عُثمانَ بنِ عَفَّان رَضِيَ اللهُ عنه، وما حَصَلَ مِن قِتالٍ بَينَ الصَّحابةِ في مَعرَكةِ الجَمَلِ وصِفِّينَ بَينَ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ ومُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ رَضِيَ اللهُ عنهما، ولمَّا وقَعَت هذه الأحداثُ العَظيمةُ اعتَزَلَ بَعضُ الصَّحابةِ هذه الفِتنةَ، وكان مِمَّنِ اعتَزَلَها عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، فلَم يُشارِكْ أحَدًا مِنَ الطَّرَفينِ، وقال: إنَّما مَثَلُنا، أي: حالُنا، في هذه الفِتنةِ، أي: التي وقَعَت بَينَ عَليٍّ ومُعاويةَ رَضِيَ اللهُ عنهما، كَمَثَل قَومٍ كانوا يَسيرونَ على جادَّةٍ يَعرِفونَها، أي: كَقَومٍ كانوا يَسيرونَ على طَريقٍ واضِحٍ مَعروفٍ، وهو ما كانوا عليه في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعَهدِ الخُلَفاءِ بَعدَه، فبَينا هم كذلك، أي: بَينا القَومُ يَمشونَ في طَريقِهمُ الواضِحِ، إذ غَشيَتْهم، أي: غَطَّتْهم سَحابةٌ وظُلمةٌ، وهيَ هذه الفِتنةُ التي حَصَلَت، فأخَذَ بَعضُهم يَمينًا وشِمالًا، أي: أخَذَ بَعضُ القَومِ لا يَدري كَيف يَمشي، فمَشى بَعضُهم مَعَ طائِفةٍ، وبَعضُهم مَعَ طائِفةٍ أُخرى، فأخطؤوا الطَّريقَ، وأقَمْنا حَيثُ أدرَكنا ذلك، أي: وأمَّا نَحنُ فلمَّا جاءَت هذه السَّحابةُ جَلَسْنا في مَكانِنا ولَم نَتَحَرَّكْ حَتَّى جَلا اللهُ ذلك عنَّا، أي: حَتَّى رَفعَ اللهُ تلك السَّحابةَ عنَّا وأزالَها فأبصَرْنا طَريقَنا الأوَّلَ، فعَرَفْناه، فأخَذْنا فيه، أي: واصَلْنا المَسيرَ عليه ولَم نَتَخَبَّطْ يَمينًا وشِمالًا، وإنَّما هؤلاء فِتيانُ قُرَيشٍ، أي: جَماعةُ عليٍّ وجَماعةُ مُعاويةَ، يَقتَتِلونَ على هذا السُّلطانِ، أي: المُلكِ، وعَلى هذه الدُّنيا، وأمَّا أنا فما أُبالي ألَّا يَكونَ لي ما يَقتُلُ عليه بَعضُهم بَعضًا بنَعلَيَّ هاتَينِ الجَرداوَينِ! أي: نَعلٌ ليس عليها شَعرٌ، والمَعنى: أنَّ هذا المُلكَ الذي يَقتَتِلونَ عليه لا يُساوي عِندي نَعلَينِ جَرداوَينِ، وكُلُّ هذا تَحقيرًا مِنه رَضِيَ اللهُ عنه لأمرِ الدُّنيا.
ومَعلومٌ أنَّ الفِتنةَ حَدَثَت بَينَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم بسَبَبِ التَّأويلِ والاختِلافِ في الآراءِ، ولدُخولِ المُنافِقينَ بَينَهم للإفسادِ ونَحوِ ذلك، مِمَّا هو مَذكورٌ في كُتُبِ التَّاريخِ.
وفي الحَديثِ فضيلةُ اعتِزالِ الفِتَنِ.
وفيه فَضلُ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما.
وفيه اعتِزالُ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما للفِتَنِ .
[سير أعلام النبلاء] (3/ 237) :
وبه: إلى بشر: حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا هارون بن أبي إبراهيم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عمر ، قال: إنما مثلنا في هذه الفتنة، كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها، فبينا هم كذلك، إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يمينا وشمالا، فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك، حتى جلا الله ذلك عنا، فأبصرنا طريقنا الأول، فعرفناه، فأخذنا فيه، إنما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل عليه بعضهم بعضا بنعلي هاتين الجرداوين.
[حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة] (1/ 309) :
حدثنا محمد بن أحمد ابن الحسن ثنا بشر بن موسى ثنا خلاد بن يحيى ثنا هارون بن إبراهيم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إنما كان مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم كانوا يسيرون على جادة يعرفونها، فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة وظلمة فأخذ بعضهم يمينا وشمالا فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك حتى جلى الله ذلك عنا فأبصرنا طريقنا الأول فعرفناه، وأخذنا فيه، وإنما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما أبالى أن يكون لى ما يقل بعضهم بعضا بنعلي هاتين الجرداوين.