خرج عمرُ بنُ الخطَّابِ ذاتَ يومٍ إلى سوقِ المدينةِ فجعل يقولُ : يا عُمراهُ يا لبَّيْكاهُ ، قال : فسألناه عن خبرِه فقيل لنا : إنَّ عاملًا من عمَّالِه أمر رجلًا أن ينزِلَ في وادٍ ينظرُ كم عمقُه ، فقال الرَّجلُ : إنِّي أخافُ ، فضربه عليه ، فنزل فلمَّا خرج كزَّ فمات فنادَى : يا عُمراهُ ، فبعث إلى الوالي : أما لولا أنِّي أخافُ أن تكونَ سُنَّةً بعدي لضربتُ عنقَك ، ولكن ما تبرحُ حتَّى تؤدِّيَ دِيتَه ، واللهِ لا أولِّيك أبدًا

الدلالات الموضوعية:# ديات وقصاص - القود من السلطان# مناقب وفضائل - عمر بن الخطاب# مناقب وفضائل - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم# مناقب وفضائل - فضائل جمع من الصحابة والتابعين
المصدر: مسند الفاروق
الراوي: زيد بن وهب الجهني
المحدث: ابن كثير
الحكم:إسناده جيد قوي

الشرح والتوضيح

تولِّي أمرِ المُسلمينَ والقيامُ عليهم مَنزِلةٌ كَبيرةٌ يَتَرَتَّبُ عليها واجِباتٌ على الوالي تِجاهَ رَعيَّتِه؛ فالوالي مسؤولٌ عن رَعيَّتِه، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رَعيَّتِه، فعليه أن يَنصَحَ لهم ويُذَكِّرَهم ويَأمُرَهم بالخَيرِ ويَنهاهم عنِ الشَّرِّ، ويُعَلِّمَهم أمرَ دينِهم ودُنياهم، ويَحفظَ لَهم حُقوقَهم ويُجَنِّبَهمُ الوُقوعَ في المَهالكِ والمَخاطِرِ، وإذا حَصَلَ لأحَدِ رَعيَّتِه ضَرَرٌ في أمرِ الدُّنيا بسَبَبِ تَقصيرِ الإمامِ فإنَّه يَتَحَمَّلُ مسؤوليَّةَ ذلك التَّقصيرِ، وقد كان أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه مِن أشَدِّ الخُلَفاءِ حِرصًا على رَعيَّتِه وعَلى الرِّفقِ بهم، وتَسهيلِ أُمورِ حَياتِهم، وإبعادِهم عنِ المَخاطِرِ، ومِمَّا جاءَ عنه أنَّه خَرَجَ ذاتَ يَومٍ إلى سوقِ المَدينةِ، فجَعَلَ يَقولُ: يا عُمَراه يا لَبَّيكاه! وهذا نِداءُ نُدبةٍ يُقالُ عِندَ التَّفجُّعِ على شَخصٍ حَصَلَ له مَكروهٌ، وقاله عُمَرُ استِجابةً وتَلبيةً لنِداءِ الرَّجُلِ الذي استَنجَدَ به، كما سَيَأتي في القِصَّةِ، فسَألَه النَّاسُ عن خَبَرِه، أي: ما الذي حَصَلَ حَتَّى تَقولَ هذا الكَلامَ.

فقيلَ لَهم: إنَّ عامِلًا مِن عُمَّالِ عُمَرَ الذينَ يولِّيهم على الجُيوشِ، أمَرَ رَجُلًا أن يَنزِلَ في وادٍ، أي: وادٍ فيه ماءٌ يَنظُرُ كَم عُمقُه حَتَّى يَعبُروا هذا الواديَ.

فقال الرَّجُلُ: إنِّي أخافُ، أي: أخافُ النُّزولَ في الماءِ وهو بارِدٌ، فيَضُرُّني، كما جاءَ ذلك موضَّحًا في رِوايةٍ أُخرى: أنَّه خَرَجَ جَيشٌ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه نَحوَ الجَبَلِ، فانتَهَوا إلى نَهرٍ فحالَ بَينَهم وبَينَ العُبورِ، ولَم يَجِدوا سُفُنًا، فقال أميرُهم: اطلُبوا لَنا رَجُلًا يَعلَمُ غَورَ الماءِ، فأُتِيَ بشَيخٍ، فقال: إنِّي أخافُ البَردَ، وكان ذلك في يَومٍ شَديدِ البَردِ.

فضَرَبَه عامِلُ عُمَرَ وأكرَهَه على النُّزولِ، فنَزَلَ الرَّجُلُ للوادي، ولمَّا خَرَجَ مِنَ الوادي كَزَّ، والكزازُ: داءٌ يَتَولَّدُ مِن شِدَّةِ البَردِ.

وقيلَ: هو نَفسُ البَردِ.

فنادى الرَّجُلُ عِندَما أُصيبَ مِن شِدَّةِ البَردِ، فقال: يا عُمَراه! أي: استَنجَدَ بعُمَرَ يَنظُرُ ما فعَلَ هذا العامِلُ مَعي، فماتَ الرَّجُلُ، فبَعَثَ عُمَرُ إلى الوالي وقال له: أمَا لَولا أنِّي أخافُ أن تَكونَ سُنَّةً بَعدي لَضَرَبتُ عُنُقَك، أي: أنَّ عُمَرَ قال لهذا الوالي: إنَّك كُنتَ تَستَحِقُّ القَتلَ بسَبَبِ ما فعَلتَ، ولَكِنْ أخاف أنِّي لَو قَتَلتُك تُصبحُ سُنَّةً مِن بَعدي أن يَقتُلَ الخُلَفاءُ عُمَّالَهم إذا أخطؤوا في شَيءٍ، ولَكِنْ ما تَبرَحُ، أي: ما تَذهَبُ مِن هنا حَتَّى تُؤَدِّيَ دِيَتَه، أي: حَتَّى تَدفَعَ دِيَةَ الرَّجُلِ الذي ماتَ بسَبَبِك.

واللهِ لا أولِّيك أبَدًا، أي: لا تَعمَلُ لي على وِلايةٍ أبَدًا.

وفي الحَديثِ حِرصُ الأميرِ على رَعيَّتِه.

وفيه أنَّ مَن تَسَبَّبَ في قَتلِ شَخصٍ فعليه ديَتُه.

وفيه مَشروعيَّةُ عَزلِ الأميرِ لأحَدِ عُمَّالِه إذا وقَعَ مِنه تَقصيرٌ .

أحاديث ذات صلة