أنَّ عُمرَ بنِ الخطَّابِ - رَضِي اللَّهُ عنهُ - رأى على طلحةَ ثوبينِ مصبوغَينِ وَهوَ حرامٌ ، فقال : ( أيُّها الرَّهطُ ، أنتُم أئمَّةٌ يُقتدى بكم ، ولو أنَّ جاهِلًا رأى عليكَ ثوبيكَ لقال : كانَ طلحةُ يلبَسُ الثيابَ المصَبَّغةَ وهوَ مُحرِمٌ .
فلا يلبَسْ أحدُكم مِن هذِه الثِّيابِ المصَبَّغَةِ في الإحرامِ شيئًا
الحَجُّ رُكنٌ من أركانِ الإسلامِ له أركانٌ وواجِباتٌ وسُنَنٌ، وله كذلك مَحظوراتٌ يَنبَغي على المُحرِمِ أن يَجتَنِبَها أثناءَ الإحرامِ، وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجِّ بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم، ومن مَحظوراتِ الإحرامِ لُبسُ الثِّيابِ المُطَيَّبةِ؛ فقد نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَلبَسَ المُحرِمُ ثَوبًا مَسَّه وَرْسٌ أو زَعفَرانٌ، وهما نَوعانِ مِنَ الطِّيبِ؛ ولهذا لمَّا رَأى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه على طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنه ثَوبَينِ، أي: إزارًا ورِداءً مَصبوغَينِ، أي: مَصبوغَينِ باللَّونِ فقَط بغَيرِ وَرسٍ وزَعفرانٍ، وهو حَرامٌ، أي: مُحَرَّمٌ.
وفي رِوايةٍ: أنَّ عُمَرَ قال لطَلحةَ: ما هذا الثَّوبُ المَصبوغُ يا طَلحةُ؟ فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّما هو مِن مَدَرٍ، أي: مِن طِينٍ أحمَرَ، وليس فيه طِيبٌ، فقال عُمَرُ: أيُّها الرَّهطُ.
والرَّهطُ مِنَ الرِّجالِ: ما دونُ العَشَرةِ.
أنتُم أئِمَّةٌ يُقتَدى بكُم، أي: أنتُم أصحابُ رَسولِ اللهِ أئِمَّةٌ يَقتَدي بكُمُ النَّاسُ فيما تَفعَلونَه، ولَو أنَّ جاهِلًا رَأى عليك ثَوبَيك، أي: الإزارَ والرِّداءَ المَصبوغَينِ بهذا المَدَرِ، لَقال: كان طَلحةُ يَلبَسُ الثِّيابَ المَصبَغة وهو مُحَرَّم، أي: لجَعلك حُجَّة له في لَبس الثِّياب المَصبوغة بالطَّيِّب في الإحرامِ، فيَتَوهَّمُ أنَّ كُلّ مَصبوغ واحِد فيَلبَسُ المَصبوغِ بالطَّيِّب، فلا يَلبَسُ أحَدُكُم مِن هذه الثِّيابِ المُصبغةِ في الإحرامِ شَيئًا، أي: سَدًّا للذَّريعةِ، ولعَدَمِ الوُقوعِ في لُبسِ الثِّيابِ المُطَيَّبةِ المَنهيِّ عنها في الإحرامِ.
وفي الحَديثِ إنكارُ الأميرِ على أحَدِ رَعيَّتِه.
وفيه نَهيُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه عن لُبسِ الثِّيابِ المُصبغةِ في الإحرامِ.
وفيه أنَّ العالِمَ مَحَلُّ قُدوةٍ للنَّاسِ؛ فعليه أن يُراعيَ تَصَرُّفاتِه وأفعالَه.
وفيه أنَّ الإمامَ المُقتَدى به يَلزَمُه أن يَكُفَّ عن بَعضِ المُباحِ المُشابِهِ للمَحظورِ؛ لئَلَّا يَقتَديَ به مَن لا يَعرِفُ.
وفيه شَهادةُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه بأنَّ أصحابَ رَسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كُلُّهم أئِمَّةٌ .