إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن تُعبَدَ الأصنامُ في أرضِ العربِ ، ولكنه سَيرضى منكم بدونِ ذلك بالمحَقِّراتِ ، وهي الموبِقاتُ يومَ القيامةِ ، اتَّقوا الظُّلمَ ما استطعتُم ؛ فإنَّ العبدَ يَجيءُ بالحسناتِ يومَ القيامةِ يَرى أنها ستُنْجِيه ، فمازالَ عبدٌ يقومُ يقول : يا ربِّ ظلَمَني عبدُك مَظلَمَةً .
فيقول : امْحُوا من حسناتِه .
وما يزالُ كذلك حتى ما يَبْقى له حسنةٌ من الذُّنوبِ ، وإنَّ مَثَلَ ذلك كسَفْرٍ نزلوا بفلاةٍ من الأرضِ ليس معهم حطبٌ ، فتفرَّقُ القومُ ليحتَطِبوا فلم يَلْبَثوا أن حَطِبوا ، فأَعظَموا النَّارَ وطبَخوا ما أرادوا ، وكذلك الذُّنوبُ
أخرجه أبو يعلى (5122)، والحاكم (2221)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (7263) باختلاف يسير
أخبَرَنا اللهُ تعالى في كِتابِه الكَريمِ بعَداوةِ الشَّيطانِ لنا وأنَّه عَدوٌّ مُبينٌ، وحَذَّرَنا منِ اتِّباعِ خُطواتِه، والشَّيطانُ حَريصٌ على إغواءِ الإنسانِ صغيرًا كان أو كبيرًا، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ الشَّيطانَ قد يَئِسَ أن تُعبَدَ الأصنامُ في أرضِ العَرَبِ، أي: أنَّه كان يَحرِصُ على إغواءِ النَّاسِ بالوُقوعِ في الشِّركِ وعِبادةِ غَيرِ اللهِ، وهذا غايةُ ما يُريدُه الشَّيطانُ مِن بَني آدَمَ، ولَكِنَّ الشَّيطانَ لمَّا رَأى إقبالَ النَّاسِ على دينِ اللهِ تعالى وعَلى الإسلامِ والتَّوحيدِ في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بلادِ العَرَبِ، ودُخولَ النَّاسِ في دينِ اللهِ أفواجًا، ورَأى أُفولَ الشِّركِ وأهلِه؛ أصابَه اليَأسُ عِندَ ذلك أن تُعبَدَ الأصنامُ مَرَّةً أُخرى، ولَكِن ليس مَعنى هذا أنَّ الأصنامَ لَن تُعبَدَ ولَن يَعودَ الشِّركُ مَرَّةً أُخرى، بَل هذا إخبارٌ مِنَ الشَّيطانِ عن نَفسِه في زَمَنٍ مُعَيَّنٍ، أو أنَّه يَئِسَ مِن حُصولِ الشِّركِ لكُلِّ جَزيرةِ العَرَبِ، وقد عادَ الشِّركُ ووقَعَ مَرَّة أُخرى، وهكذا سَيَقَعُ قُربَ قيامِ السَّاعةِ أيضًا؛ ولهذا لمَّا يَئِسَ الشَّيطانُ مِنَ النَّاسِ عن عِبادةِ الأصنامِ رَضيَ مِنهم ما هو دونَ ذلك، وهيَ مُحَقَّراتُ الذُّنوبِ، أي: الذُّنوبُ الصَّغيرةُ، وهيَ الموبِقاتُ، أي: المُهلِكاتُ يَومَ القيامةِ؛ لأنَّ الإنسانَ يَتَساهَلُ فيها حَتَّى توبِقَه، أي: تُهلِكَه.
ثُمَّ حَذَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن ظُلمِ العِبادِ، فقال: اتَّقَوا الظُّلمَ ما استَطَعتُم، أي: اجعَلوا بَينَكُم وبَينَ الظُّلمِ حاجِزًا ووِقايةً بقَدرِ ما تَستَطيعونَ، وما ذلك إلَّا لخُطورةِ الظُّلمِ؛ فإنَّ العَبدَ، أي: الظَّالمَ، يَجيءُ بالحَسَناتِ يَومَ القيامةِ، ويَرى أنَّها ستُنجيه مِنَ العَذاب، فما زالَ عَبدٌ يَقومُ فيَقولُ: يا رَبِّ ظَلَمَني عَبدُك هذا مَظلَمةً.
فيَقولُ اللهُ: امحوا مِن حَسَناتِه، أي: مِن حَسَناتِ الظَّالمِ، وما يَزالُ كذلك، أي: أن يَقومَ النَّاسُ ويَطلُبونَ مَظالِمَهم مِن هذا الظَّالمِ، حَتَّى لا يَبقى مَعَه حَسَنةٌ! ثُمَّ شَبَّهَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَيف أنَّ مُحَقَّراتِ الذُّنوبِ تُهلِكُ العَبدَ، فقال: وإنَّ مَثَلَ ذلك، أي: المُحَقَّراتِ، كسَفْرٍ، أي: جَماعةٍ مُسافِرينَ، نَزَلوا بفلاةٍ، أي: بصَحراءَ مِنَ الأرضِ، ليس مَعَهم حَطَبٌ، فتَفرَّقَ القَومُ ليَحتَطِبوا، أي: يَجمَعوا الحَطَبَ، فلَم يَلبَثوا أن حَطَبوا، أي: اجتَمَعَ عِندَهم حَطَبٌ كَثيرٌ، فأعظموا النَّارَ، أي: أوقدوا نارًا، فأصبَحَت نارًا عَظيمةً، فطَبَخوا ما أرادوا، وكذلك الذُّنوبُ، أي: أنَّ الذُّنوبَ تَجتَمِعُ على العَبدِ الواحِدُ فوقَ الواحِدِ حَتَّى تَعظُمَ وتُصبِحَ كَبيرةً جِدًّا فتوبقَه في النَّارِ وتُهلِكَه.
والمَعنى: أنَّ الصَّغائِرَ إذا اجتَمَعَت ولَم تُكَفَّرْ أهلَكَت.
وفي الحَديثِ الإخبارُ بأنَّ الشَّيطانَ قد يَئِسَ أن تُعبَدَ الأصنامُ في أرضِ العَرَبِ.
وفيه حِرصُ الشَّيطانِ على إغواءِ بَني آدَمَ بمُحَقَّراتِ الذُّنوبِ.
وفيه خُطورةُ أمرِ مُحَقَّراتِ الذُّنوبِ.
وفيه عِظَمُ أمرِ الظُّلمِ.
وفيه إثباتُ القِصاصِ يَومَ القيامةِ بَينَ النَّاسِ في المَظالمِ.
وفيه أنَّ القِصاصَ يَومَ القيامةِ يَكونُ بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ.
وفيه مَشروعيَّةُ ضَربِ الأمثالِ لتَقريبِ الفَهمِ للسَّامِعينَ .
مسند أبي يعلى (9/ 57 ت حسين أسد) :
5122 - [[حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص]] وعن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب، ولكنه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات، وهي: الموبقات يوم القيامة، اتقوا المظالم ما استطعتم، فإن العبد يجيء بالحسنات يوم القيامة يرى أنه ستنجيه، فما زال عبد يقوم فيقول: يا رب ظلمني عبدك مظلمة، فيقول امحوا من حسناته، ما يزال كذلك، حتى ما يبقى له حسنة من الذنوب، وإن مثل ذلك كسفر نزلوا بفلاة من الأرض، ليس معهم حطب، فتفرق القوم ليحتطبوا، فلم يلبثوا أن حطبوا، فأعظموا النار، وطبخوا ما أرادوا، وكذلك الذنوب ".
[المستدرك على الصحيحين] (2/ 32) :
2221 - أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنا أبو المثنى، حدثنا مسدد، حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبليس يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكنه سيرضى بدون ذلك منكم بالمحقرات من أعمالكم، وهي الموبقات، فاتقوا المظالم ما استطعتم، فإن العبد يجيء يوم القيامة، وله من الحسنات ما يرى أنه ينجيه، فلا يزال عبد يقوم، فيقول: يا رب إن فلانا ظلمني مظلمة، فيقال: امحوا من حسناته حتى لا يبقى له حسنة هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
شعب الإيمان (5/ 455 ت زغلول) :
7263 - أخبرنا أبو القاسم الحرفي ببغداد نا حمزة بن محمد بن العباس نا محمد بن غالب نا القعنبي نا محمد بن أبي الفرات نا أبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ولكن سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات يوم القيامة فاتقوا المظالم ما استطعتم فإن العبد يجيء بالحسنات يوم القيامة وهو يرى أن ستنجيه فما زال عبد يقوم يقول: يا رب ظلمني عبدك فلان بمظلمة قال: فيقول: امحوا من حسناته قال: فيقول: فما زال كذلك حتى يبقى معه حسنة من الذنوب وإن مثل ذلك كسفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب فتفرق القوم ليحتطبوا فلم يلبثوا أن احتطبوا وانضجوا ما أرادوا قال: وكذلك الذنوب.