عن بعجةَ بنِ عبدِ اللهِ الجهنيِّ ، قال : تزوجَ رجلٌ منا امرأةً من جُهينةٍ ، فولدَتْ لتمامِ ستةِ أشهرٍ ، فانطلقَ زوجُها إلى عثمانَ رضي اللهُ عنه ، فذكرَ له ذلك ، فبعثَ إليها ، فأُتِيَ بها ، فرأتْها أختُها وهي تلبسُ ثيابَها فبكَتْ ، فقالَتْ : ما يبكيكِ ؟ فواللهِ ما التبسَ بي أحدٌ منَ الخلقِ غيرُهُ ، فيفعلُ اللهُ فيَّ ما شاءَ أن يفعلَ ، فأمرَ بها عثمانُ أن ترجمَ ، فأتاهُ عليٌّ رضي اللهُ عنه فسألَهُ عن ذلك ، فقال : إنَّها ولدَتْ لستةِ أشهرٍ تمامًا ، وهل يكونُ ذلك ؟ فقال : أما تقرأُ القرآنَ ؟ قال : بلى ، قال : أما سمعْتَ اللهَ يقولُ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا وقال : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ وقال وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ فلم نجدْ إلا بقيَ ستةُ أشهرٍ ، فقال عثمانُ : واللهِ ما فطِنْتُ لهذا ، فأمرَ بردِّها ، فوجدوها قد فرغَ منها .
قال : فنظرَ الرجلُ إلى الولدِ فإذا هو أشبهُ به منَ الغرابِ بالغرابِ ومنَ البيضةِ بالبيضةِ ، فقال : ابني واللهِ ، قال : فابتلاهُ اللهُ بالقرحةِ قرحةِ الأكلةِ فأكلَتْهُ حتى ماتَ
أخرجه مالك (3045)، وابن شبة في ((أخبار المدينة)) (1693)، والطبري في ((تفسيره)) (20/ 657) بنحوه.
القَضاءُ في الإسلامِ له أهَمِّيَّتُه ومَكانتُه، والقاضي على خَطَرٍ عَظيمٍ إذا جارَ في حُكمِه؛ ولذا كان مِن أهَمِّ شُروطِ الإمامِ أوِ القاضي العِلمُ، فيَعرِفُ كَيف يَأخُذُ الأحكامَ مِنَ القُرآنِ والسُّنَّةِ، وكَيف يَستَنبطُ الأحكامَ مِنها، والنَّاسُ في ذلك مَراتِبُ مُختَلِفةٌ؛ فمِنهم مَن حَظُّه واسِعٌ في ذلك، ومِنهمُ المُقِلُّ في المَعرِفةِ، وقد كان الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم على مَراتِبَ مُتَفاوِتةٍ في العِلمِ والفهمِ في القُرآنِ، وكان مِن عُلَمائِهم عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، ومِمَّا يُبَيِّنُ مَكانتَه في ذلك فَهمُه واستِنباطُه أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ حَملِ المَرأةِ سِتَّةُ أشهُرٍ، فمَتى تَزَوَّجَتِ المَرأةُ وجامَعَها زَوجُها ثُمَّ أتَت بولَدٍ لتَمامِ سِتَّةِ أشهرٍ فالوَلَدُ وَلَدُه، وهذا قد يَكونُ نادِرًا؛ فإنَّ غالِبَ الحَملِ تِسعةُ أشهرٍ، وبَعضُه سَبعةُ أشهُرٍ؛ ولهذا لمَّا تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِن قَبيلةِ جُهَينةَ بامرَأةٍ مِن جُهَينةَ، فولَدَتِ المَرأةُ لتَمامِ سِتَّةِ أشهُرٍ.
فاستَنكَرَ الرَّجُلُ ذلك، أي: كَيف وَلَدَت لسِتَّةِ أشهرٍ، فشَكَّ فيها أنَّها قد زَنَت، وأنَّ الولَدَ ليس ولَدَه، ولَم يَكُنْ يَعلَمُ أنَّ الحَملَ قد يَكونُ سِتَّةَ أشهُرٍ، فانطَلَقَ زَوجُها إلى عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، فذَكَر له ذلك، فبَعَثَ عُثمانُ إلى المَرأةِ حَتَّى تَأتيَ إلَيه، ولمَّا كانتِ المَرأةُ تَلبَسُ ثيابَها حَتَّى تَخرُجَ رَأتها أُختُها فبَكَت عليها حُزنًا عليها مِن أن يُقيموا عليها الحَدَّ، فقالتِ المَرأةُ لأُختِها: ما يُبكيكِ؟ فواللهِ ما التَبَسَ بي أحَدٌ مِنَ الخَلقِ غَيرُه، أي: لا تَبكي، ثُمَّ حَلَفت لَها أنَّه ما مَسَّها أحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيرُ زَوجِها، وأنَّ الولَدَ مِنه، فيَفعَلُ اللهُ فيَّ ما شاءَ أن يَفعَلَ، أي: أنَّها فوَّضَت أمرَها للَّهِ تعالى، وهو أدرى بها مِن كُلِّ أحَدٍ.
فلَمَّا أتَت إلى عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه أمَرَ بها أن تُرجَمَ؛ لأنَّ حَدَّ الزَّاني المُحْصَنِ الرَّجمُ حَتَّى المَوتِ.
فأتى عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه إلى عُثمانَ وسَألَه عن سَبَبِ رَجمِ هذه المَرأةِ، فقال عُثمانُ: إنَّها وَلَدَت لسِتَّةِ أشهرٍ تَمامًا، وهَل يَكونُ ذلك؟ أي: كَيف يَكونُ ذلك، فهذا مَعناه أنَّه زِنًا.
فقال عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه لعُثمانَ: أما تَقرَأُ القُرآنَ؟ فقال عُثمانُ: بَلى.
فقال عليٌّ: أمَا سَمِعتَ اللَّهَ يَقولُ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف:15] ، ويقَولُ: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14] ، ويَقولُ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233] ، فلَم نَجِدْ إلَّا بَقيَ سِتَّةُ أشهُرٍ.
والمَعنى: أنَّ حَملَ الجَنينِ ومُدَّةَ رَضاعَتِه تَكونُ ثَلاثينَ شَهرًا، فإذا كانت مُدَّةُ الرَّضاعِ كما في الآيةِ الأُخرى: حَولَينِ كامِلَينِ، أي: أربَعةً وعِشرينَ شَهرًا، فبَقيَ مِنَ الثَّلاثينَ شَهرًا سِتَّةُ أشهرٍ، فتَكونُ هيَ مُدَّةَ الحَملِ.
فقال عُثمانُ لمَّا سَمِعَ ذلك: واللهِ ما فَطِنتُ لهذا، أي: ما كُنتُ أَفطِنُ لهذا الفَهمِ وهذا الاستِنباطِ البَديعِ.
فعِندَ ذلك أمَر عُثمانُ برَدِّ المَرأةِ وعَدَمِ إقامةِ الحَدِّ، لَكِنَّهم وجَدوا أنَّ الأمرَ قد فُرِغَ وأنَّها قد أُقيمَ عليها الحَدُّ وماتَت.
ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ زَوجَها نَظَرَ إلى الولَدِ، فإذا هو أشبَهُ به مِنَ الغُرابِ بالغُرابِ ومِنَ البَيضةِ بالبَيضةِ، أي: وجَدَ شَبَهًا ظاهرًا بَيِّنًا يَدُلُّ على أنَّه ولَدُه.
فقال: ابني واللَّهِ.
فابتَلى اللهُ الرَّجُلَ بالقُرحةِ -وهيَ البثرةُ تَكونُ في الجِسمِ إذا دَبَّ فيها الفَسادُ- قُرحةِ الأكلةِ، فأكَلَتْه حَتَّى ماتَ، أي: تَوسَّعَتِ القُروحُ في جِسمِه حَتَّى ماتَ.
وفي الحَديثِ بَيانُ أنَّ أقَلَّ مُدَّةٍ للحَملِ سِتَّةُ أشهُرٍ.
وفيه أهَمِّيَّةُ فَهمِ ومَعرِفةِ أحكامِ القُرآنِ واستِنباطِ الأحكامِ مِنها.
وفيه فَضلُ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، وبَيانُ عِلمِه ومَعرِفتِه بالقُرآنِ.
وفيه رُجوعُ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه وموافقَتُه لرَأيِ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه.
وفيه عَدَمُ الاستِعجالِ في تَنفيذِ الأحكامِ حَتَّى يُرجَعَ إلى أهلِ العِلمِ.
وفيه عُذرُ الأميرِ إذا تَأوَّلَ في حُكمٍ مِنَ الأحكامِ.
وفيه تَفاوُتُ الصَّحابةِ في مَعرِفتِهم بالأحكامِ .
موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر (2/ 214) أخبرنا الشيخ أبو عبد الله بن قوام بالسند الماضى إلى أبي مصعب، أنا مالك أنه بلغه أن عثمان أتي بامرأة ولدت لستة أشهر (ح).
وأنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد النيسابوري شفاها، عن أبي الفضل بن قدامة كتابة، عن أبي الحسن بن المقير إجازة إن لم يكن سماعا، عن أبي الفضل بن ناصر، نا أبو القاسم العبدي في كتابه، أنا أبي محمد بن إسحاق، عن أبي محمد بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا عبد الرحمن المحاربي، نا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن بعجة بن عبد الله الجهني، قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان رضي الله عنه، فذكر له ذلك، فبعث إليها، فأتي بها، فرأتها أختها وهي تلبس ثيابها فبكت، فقالت: ما يبكيك؟ فوالله ما التبس بي أحد من الخلق غيره، فيفعل الله في ما شاء أن يفعل، فأمر بها عثمان أن ترجم، فأتاه علي رضي الله عنه فسأله عن ذلك، فقال: إنها ولدت لستة أشهر تماما، وهل يكون ذلك؟ فقال: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: أما سمعت الله يقول: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وقال: (وفصاله في عامين) وقال (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) فلم نجد إلا بقي ستة أشهر، فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا، فأمر بردها، فوجدوها قد فرغ منها.
قال: فنظر الرجل إلى الولد فإذا هو أشبه به من الغراب بالغراب ومن البيضة بالبيضة، فقال: ابني والله، قال: فابتلاه الله بالقرحة قرحة الأكلة فأكلته حتى مات.
موطأ مالك ت الأعظمي (5/ 1204) 3045 - مالك أنه بلغه؛ أن عثمان بن عفان أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر.
فأمر بها أن ترجم.
فقال له علي بن أبي طالب : ليس ذلك عليها.
إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {وحمله وفصاله ثلثون شهرا} [الأحقاف 46: 15] وقال: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة 2: 233] فالحمل يكون ستة أشهر.
فلا رجم عليها، فبعث عثمان في أثرها.
فوجدها قد رجمت.
أخبار المدينة ط العلمية (2/ 110) 1693 - حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن أبي ذئب قال حدثنا يزيد بن عبد الله عن بعجة بن عبد الله بن بدر قال كانت امرأة منا تحت رجل منا فولدت لستة أشهر فدفعت إلى عثمان رضي الله عنه فأمر بها أن ترجم فدخل عليه علي رضي الله عنه فقال إن الله يقول ! ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) ! الأحقاف: (15) فبعث خلفها فلم يدركها إلا وقد رجمت وكان فيما تقول لأختها لا تحزني فوالله ما كشف عني رجل قط غيره فلما شب الغلام كان أشبه الناس به واعترف به قال فلقد رأيته يتقطع عضوا عضوا.
تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (20/ 657) حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، ثني قال: ابن أبي ذئب، عن أبي قسيط، عن بعجة بن زيد الجهني، " أن امرأة منهم دخلت على زوجها، وهو رجل منهم أيضا، فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك لعثمان بن عفان رضي الله عنه فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] وقال: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] قال: فوالله ما عبد عثمان أن بعث إليها