أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خرج ذاتَ يومٍ على راحلتِه وأصحابُه معه بين يدَيه فقال معاذُ بنُ جبلٍ : يا نبيَّ اللهِ أتأذنُ لي في أن أتقدَّم إليك على طِيبةِ نفسٍ ؟ قال : نعم فاقترب معاذٌ إليه فسارا جميعًا فقال معاذٌ : بأبي أنت يا رسولَ اللهِ أسأل اللهَ أن يجعلَ يومَنا قبل يومِك أرأيتَ إن كان شيءٌ ولا نرى شيئًا إن شاء اللهُ تعالى فأيُّ الأعمالِ نعملُها بعدك؟ فصَمتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال الجهادُ في سبيلِ اللهِ ثم قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : نعم الشيءُ الجهادُ والذي بالناسِ أملكُ من ذلك فالصيامُ والصدقةُ فذكر معاذٌ كلَّ خيرٍ يعملُه ابنُ آدم فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : وعاد بالناسِ خيرٌ من ذلك قال : فماذا بأبي أنت وأمي عاد بالناسِ خيرٌ من ذلك ؟ قال : فأشار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى فيه قال : الصمتُ إلا من خيرٍ قال : وهل نؤاخذُ بما تكلَّمتْ به ألسنتُنا ؟ قال : فضرب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فَخِذَ معاذٍ ثم قال : .

.

.

الدلالات الموضوعية:# آداب الكلام - الصمت وقلة الكلام# صيام - فضل الصيام# رقائق وزهد - أي الأعمال أفضل# صدقة - فضل الصدقة والحث عليها# جهاد - الترغيب في الجهاد
المصدر: السلسلة الصحيحة
الراوي: عبادة بن الصامت
المحدث: الألباني
الحكم:صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه الحاكم (7774)، والضياء في ((الأحاديث المختارة)) (405) واللفظ لهما، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (666) مختصرا.

الشرح والتوضيح

كان الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم يُحِبُّونَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُبًّا شديدًا، وكانوا يَحرِصونَ على مُجالَسَتِه لِما يَرجونَ مِن بَرَكةِ تلك المَجالسِ مَعَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن شِدَّةِ حُبِّهم له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان الواحِدُ يَتَمَنَّى أن يَموتَ قَبلَ أن يَموتَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَستَصعِبونَ الحَياةَ بَعدَه، ولَكِنْ لَمَّا كان المَوتُ حَقًّا على كُلِّ النَّاسِ ولا أحَدَ يَدري وقتَ أجلِه، فرُبَّما ماتَ الرَّسولُ قَبلَهم، حَرَصوا على أن يَسألوه عَنِ الأعمالِ التي تَنفعُهم بَعدَ مَوتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن أمثِلةِ تلك المَواقِفِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَرَجَ ذاتَ يَومٍ على راحِلَتِه، أي: ناقَتِه، وأصحابُه مَعَه بَينَ يَدَيه، أي: حَولَه، فقال مُعاذُ بنُ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ عنه: يا نَبيَّ اللهِ أتَأذَنُ لي في أن أتَقدَّمَ إليك على طِيبةٍ نَفسٍ؟ أي: إذا سَمَحَت نَفسُك فأْذَنْ لي أن أقرَبَ مِنك حَتَّى أسيرَ مَعَك بقُربِك، فقال رَسولُ اللهِ: نَعَم.

فاقتَرَبَ مُعاذٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسارا جَميعًا.

فقال مُعاذٌ: بأبي أنتَ يا رَسولَ اللهِ، أي: أفديك بأبي، أسألُ اللَّهَ أن يَجعَلَ يَومَنا، أي: مَوتَنا، قَبلَ يَومِك، أي: مَوتِك، أرَأيتَ إن كان شَيءٌ ولا نَرى شَيئًا إن شاءَ اللهُ تعالى! يَقصِدُ أنَّه إذا قُدِّرَ يا رَسولَ اللهِ أنَّك مُتَّ قَبْلَنا، وإن شاءَ اللهُ لا نَرى ذلك اليَومَ بحَيثُ نَموتُ قَبلَك، فأيُّ الأعمالِ نَعمَلُها بَعدَك؟ أي: بَعدَ مَوتِك.

فصَمَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال مُعاذٌ: الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ؟ أي: هَل أفضَلُ الأعمالِ الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نِعمَ الشَّيءُ الجِهادُ، والذي بالنَّاسِ أملَكُ مِن ذلك، أي: أنَّ الجِهادَ في سَبيلِ اللهِ له فَضلٌ عَظيمٌ، ولَكِنَّ هناكَ ما هو أفضَلُ! فقال مُعاذٌ: فالصِّيامُ والصَّدَقةُ.

فقال رَسولُ اللهِ: نِعمَ الشَّيءُ الصِّيامُ والصَّدَقةُ، وعاد بالنَّاسِ أملَكُ مِن ذلك، أي: أنَّ الصِّيامَ والصَّدَقةَ خَيرٌ، ولَكِنَّ هناكَ ما هو أفضَلُ مِن ذلك، حَتَّى ذَكَرَ مُعاذٌ كُلَّ خَيرٍ يَعمَلُه ابنُ آدَمَ، ورَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ له: وعادَ بالنَّاسِ خَيرٌ مِن ذلك.

فعِندَ ذلك قال مُعاذٌ: فماذا بأبي أنتَ وأُمِّي عادَ بالنَّاسِ خَيرٌ مِن ذلك؟ أي: ما هو الشَّيءُ الذي يَفضُلُ جَميعَ ما سَبَقَ، فأشارَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى فيه، أي: فَمِه، وقال: الصَّمتُ إلَّا مِن خَيرٍ، أي: أفضَلُ مِن كُلِّ ما سَبَقَ أن يَحفظَ المَرءُ لسانَه ولا يَتَكَلَّمَ إلَّا بخَيرٍ.

فقال مُعاذٌ: وهَل نُؤاخَذُ بما تَكَلَّمَت به ألسِنَتُنا؟ أي: هَل نَحنُ مُحاسَبونَ على أقوالِنا.

فضَرَبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَخذِ مُعاذٍ.

وفي تَتِمَّةِ الرِّوايةِ: ثُمَّ قال: يا مُعاذُ، ثَكِلَتك أُمُّك، أو ما شاءَ اللهُ أن يَقولَ له مِن ذلك، وهَل يَكُبُّ، أي: يَقلِبُ، النَّاسَ على مناخِرِهم في جَهَنَّمَ إلَّا ما نَطَقَت به ألسِنَتُهم؟! فمَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليَسكُتْ عن شَرٍّ، قولوا خَيرًا تَغنَموا، واسكُتوا عن شَرٍّ تَسلَموا.

وفي الحَديثِ بَيانُ حُبِّ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه حِرصُ الصَّحابةِ على سُؤالِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَمَّا يَنفعُهم.

وفيه أدَبُ الصَّحابةِ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه فَضلُ مُعاذٍ رَضيَ اللهُ عنه.

وفيه فَضلُ الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ والصِّيامِ والصَّدَقةِ.

وفيه أهَمِّيَّةُ حِفظِ اللِّسانِ إلَّا مِن خَيرٍ .

أحاديث ذات صلة