- كان أهلُ الجاهليةِ يصنعونَ في الحيضِ نحوًا من صنيعِ المجوسِ، فذكروا ذلك لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ، فنزلَتْ : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [ البقرة : 222 ] الآية، فلم يزدِ الأمرُ فيهنَّ إلا شدةً، فنزلَتْ : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ : أنْ تعتزلوا

الدلالات الموضوعية:# قرآن - أسباب النزول# رقائق وزهد - أهل الجاهلية# الكفر والشرك - أعمال الجاهلية# حيض - إتيان الحائض في الدم# تفسير آيات - سورة البقرة
المصدر: فتح الباري لابن رجب
الراوي: عكرمة مولى ابن عباس
المحدث: ابن رجب
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

أخرجه خليفة بن خياط في ((المسند)) (95)، والدارمي (1127)، باختلاف يسير.

الشرح والتوضيح

للمَرأةِ في الإسلامِ مَكانتُها ورِفعَتُها، واحتِرامُها مِن جَميعِ مَن حَولَها؛ فقدَ أعلى الإسلامُ مِن شَأنِ المَرأةِ بما ليس في دينٍ سِواه، فهنَّ شَقائِقُ الرِّجالِ، وخَيرُ النَّاسِ خَيرُهم لأهلِه، ومَن أرادَ أن يَعرِفَ هذا التَّكريمَ للمَرأةِ في الإسلامِ فليَنظُرْ كَيف كان حالُ المَرأةِ في الجاهليَّةِ أو في الدِّياناتِ الأُخرى، الذينَ كانوا يَعتَبرونَ المَرأةَ مِثلَ المَتاعِ الذي يُباعُ، وأنَّها مَحَلُّ قَضاءِ الشَّهوة فقَط، وليس لها أيُّ قيمةٍ عِندَهم، ومِن مَظاهِرِ ذلك أنَّهم كانوا يَعتَقِدونَ اعتِقاداتٍ خاطِئةً عِندَما تَحيضُ المَرأةُ؛ ولذلك كانوا لا يُجالِسونَها ولا يَقرَبونَها، بَل يُخرِجونَها مِنَ البَيتِ؛ فقد جاءَ أنَّ اليَهودَ كانوا إذا حاضَتِ المَرأةُ مِنهم لمَ يؤاكِلوها ولَم يُجامِعوها في البُيوتِ، فسَألَ أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ذلك، فأنزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] حَتَّى فرَغَ مِنَ الآيةِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اصنَعوا كُلَّ شَيءٍ إلَّا النِّكاحَ، أي: إلَّا الجِماعَ.

فبَلَغَ ذلك اليَهودَ، فقالوا: ما يُريدُ هذا الرَّجُلُ، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن يَدَعَ مِن أمرِنا شيئًا إلَّا خالَفَنا فيه! وقد ذَكَرَ عِكرِمةُ -وهو أحَدُ عُلَماءِ التَّفسيرِ- سَبَبَ نُزولِ الآيةِ، فقال: كان أهلُ الجاهليَّةِ، أي: كُفَّارُ قُرَيشٍ، يَصنَعونَ في الحَيضِ، أي: عِندَما تَحيضُ نِساؤُهم، نَحوًا مِن صَنيعِ المَجوسِ، أي: مِثلَ صَنيعِ المَجوسِ، ولَعَلَّه نَفسُ صَنيعِ اليَهودِ؛ أنَّهم لا يؤاكِلونها ولا يُجامِعونَها في البُيوتِ، بَل يَجعَلونَها خارِجَ البَيتِ لاعتِقادِ أنَّها نَجِسةٌ، فذَكَرَ الصَّحابةُ هذا الأمرَ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنَزَلَتِ الآيةُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} فلَم يَزِدِ الأمرُ فيهنَّ، أي: في النِّساءِ الحُيَّضِ، إلَّا شِدَّةً، أي: أنَّه تَأكَّدَ لهم بما أنَّ المَحيضَ أذًى فالمَطلوبُ اعتِزالُها كُلِّيًّا كما فعَلَ المَجوسُ، ثُمَّ نَزَلَ بَعدَ ذلك قَولُه تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} أي: مِن حَيثُ أمَرَكُمُ اللهُ أن تَعتَزِلوا.

وهذا يَدُلُّ على أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ الأمرُ باعتِزالِهنَّ فَهِم كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنه الاعتِزالَ في البُيوتِ والفُرُشِ كما كانوا يَصنَعونَ أوَّلًا، حَتَّى نَزَلَ آخِرُ الآيةِ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ}، ففُهِمَ مِن ذلك أنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ باعتِزالهنَّ في الوطءِ خاصَّةً لا أن يَكونَ الاعتِزالُ بإخراجِهنَّ مِنَ البُيوتِ.

وقد فسَّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك بقَولِه: اصنَعوا كُلَّ شَيءٍ إلَّا النِّكاحَ، وبفِعلِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعَ أزواجِه؛ فقد كان يُباشِرُهنَّ في المَحيضِ.

وفي الحَديثِ بَيانُ سَبَبِ نُزولِ الآيةِ.

وفيه بَيانُ ما كان عليه أهلُ الجاهليَّةِ مِن مُعتَقَداتٍ خاطِئةٍ في حَقِّ المَرأةِ.

وفيه تَفسيرُ القُرآنِ بالقُرآنِ.

وفيه بَيانُ مَعنى الاعتِزالِ الوارِدِ في قَولِه تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} .

الأصول والأحكام

مسند خليفة بن خياط (ص: 79) 95 - أخبرنا خليفة بن خياط، ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد، عن عكرمة ، قال: كان أهل الجاهلية يصنعون في الحائض نحوا من صنيع المجوس، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن.

البقرة: 222} فلم يزدد الأمر فيهن إلا شدة.

سنن الدارمي ط الكتاب العربي ت زمرلي (1/ 274) 1127 - أخبرنا خليفة بن خياط ثنا عبد الوهاب ثنا خالد عن عكرمة قال : كان أهل الجاهلية يصنعون في الحائض نحوا من صنيع المجوس فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن } فلم يزدد الأمر فيهن إلا شدة .

أحاديث ذات صلة