أنَّ عقبةَ بنَ أبي مُعيطٍ دعا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى طعامِهِ فقال : ما أنا بآكلٍ حتَّى تشهدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأني رسولُ اللهِ فشهِدَ بذلِكَ فلقِيَه خليلٌ له فلامَهُ على ذلك فقال ما يبرِئُ صدورَ قريشٍ منِّي قال : أنْ تأتيَهُ في مجلسِهِ فتبزُقَ في وجههِ ففعل فلم يزدِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم على أنْ مسحَ وجهَهُ وقال إنْ وجدتُكَ خارجًا من جبالِ مكةَ أضربُ عنقَكَ صبرًا فلمَّا كان يومَ بدرٍ وخرج أصحابهُ أبَى أنْ يخرجَ وقال قد وعدَني هذا الرجلُ إنْ وجدَني خارجًا من جبالِ مكةَ أنْ يضربَ عنُقي صبرًا فقالوا لك جملٌ أحمرُ لا يدرَكُ فلو كانت الهزيمةُ طِرتَ فخرجَ معهم فلمَّا هُزِمَ المشركون وحلَّ به جملةً في جددٍ من الأرضِ فأُخِذَ أسيرًا فضربَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم عنقَهُ صبرًا وقال العبَّاسُ حين أخذ منه الفداءَ لقد تركتَني فقيرَ قُريشٍ ما بقِيتُ قال: كيف تكونُ فقيرَ قُريشٍ وقد استودعتَ بنادقَ الذهبِ أمَّ الفضلِ وقلتَ لها إنْ قُتلتُ فقد تركتكِ غنيَّةً ما بقيتِ فقال أشهدُ أنَّ الذي تقولهُ قد كان وما اطلعَ عليه إلَّا اللهُ

الدلالات الموضوعية:# أنبياء - معجزات# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - ما صبر عليه النبي صلى الله عليه وسلم في الله عز وجل# مغازي - غزوة بدر# إيمان - دعوة الكافر إلى الإسلام# فضائل النبي وصفته ودلائل النبوة - معجزات النبي
المصدر: الخصائص الكبرى
الراوي: عبدالله بن عباس
المحدث: السيوطي
الحكم:إسناده صحيح

بيانات التخريج:

لم نقف عليه إلا عند السيوطي في ((الدر المنثور)) (6/250) واللفظ لهما.

الشرح والتوضيح

للصَّديقِ على صَديقِه تَأثيرٌ كَبيرٌ في أقوالِه وأفعالِه؛ ولهذا جاءَ الشَّرعُ بالحَثِّ على مُجالَسةِ الجَليسِ الصَّالحِ والحِرصِ على صُحبَتِه، والتَّحذيرِ مِن جَليسِ السُّوءِ والبُعدِ عن صُحبَتِه، فما ضَرَّ كَثيرًا مِنَ النَّاسِ إلَّا جُلَساؤُهم، والأمثِلةُ على ذلك كَثيرةٌ في القديمِ والحَديثِ، فما ضَرَّ أبا طالبٍ عَمَّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عِندَما حَضَرَته الوفاةُ إلَّا جُلَساؤُه عِندَما قالوا له: أترغَبُ عن مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ؟ فامتَنَعَ عن نُطقِ قَولِ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وماتَ على مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ، ومِن ذلك قِصَّةُ عُقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، وذلك أنَّه صَنَعَ طعامًا، وفي رِوايةٍ: أنَّه كان لا يَقدَمُ مِن سَفرٍ إلَّا صَنَعَ طَعامًا، فدَعا إلَيه أشرافَ قَومِه، ودَعا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى طَعامِه، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما أنا بآكِلٍ حَتَّى تَشهَدَ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّي رَسولُ اللهِ.

فشَهِدَ عُقْبةُ بذلك، فلَقيَه خَليلٌ له، أي: صَديقٌ، وفي رِواية: أنَّه أُميَّةُ بنُ خَلَفٍ، فلامَه على ذلك، أي: عاتَبَه وألقى عليه اللَّومَ؛ لأنَّه آمَنَ بمُحَمَّدٍ، وتَرَك دينَ قُرَيشٍ.

وفي رِوايةٍ: أنَّه قال له: يا عُقْبةُ صَبَأتَ؟ قال: لا واللَّهِ ما صَبَأتُ، ولَكِنْ دَخَلَ علَيَّ رَجُلٌ فأبى أن يَأكُلَ طَعامي إلَّا أن أشهَدَ له، فاستَحيَيتُ أن يَخرُجَ مِن بَيتي ولَم يَطعَمْ، فشَهِدتُ له فطَعِمَ.

فقال عُقْبةُ: ما يُبرِئُ صُدورَ قُرَيشٍ مِنِّي، أي: فما الفِعلُ الذي يُرضي قُرَيشًا مِنِّي إذا فعَلتُه، فقال له صَديقُه: أن تَأتيَه.

يَقصِدُ النَّبيَّ، في مَجلسِه فتَبزُقَ، أي: تَتفُلَ في وَجهِه، وفي رِوايةٍ: وتَشتُمَه بأخبَثِ ما تَعلَمُه مِنَ الشَّتمِ، فذَهَبَ عُقْبةُ وفعَلَ كُلَّ ما قال له صَديقُه، ولَم يَزِدِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أن مَسحَ وجهَه مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ تَوعَّدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُقْبةَ، وقال له: إن وجَدتُك خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضرِبُ عُنُقَك صَبرًا، أي: أن يُمسَكَ حَتَّى تُضرَبَ عُنُقُه، ولمَّا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَعروفًا بأنَّه الصَّادِقُ الأمينُ وأنَّه لا يَقولُ شَيئًا إلَّا وقَع، خاف عُقْبةُ مِن ذلك، فكان لا يَخرُجُ مِن مَكَّةَ خَوفًا مِمَّا تَوعَّدَه به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

ولمَّا كان يَومُ بَدرٍ، أي: غَزوةُ بَدرٍ، وخَرَجَ أصحابُ أبي مُعَيطٍ، وأبى هو أن يَخرُجَ، فقال له أصحابُه: اخرُجْ مَعنا.

فقال: قد وعَدَني هذا الرَّجُلُ، أي: النَّبيُّ، إن وجَدَني خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أن يَضرِبَ عُنُقي صَبرًا.

فقالوا: لَك جَمَلٌ أحمَرُ لا يُدرَكُ، أي: سنُعطيك جَمَلًا قَويًّا شَديدَ الجَريِ لا أحَدَ يَستَطيعُ أن يُدرِكَه، فلو كانتِ الهَزيمةُ طِرتَ عليه.

فخَرَجَ مَعَهم، فلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ المُشرِكينَ في غَزوةِ بَدرٍ وحِلَ به جَمَلُه -أي: وقعَ به جَمَلُه في الوَحلِ، وهو الطِّينُ الرَّقيقُ، في جُدَدٍ مِنَ الأرضِ- والجُدَدُ: ما استَوى مِنَ الأرضِ.

والمَعنى: وقعَ به جَمَلُه في أرضٍ مُستَويةٍ، فأخَذَه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أسيرًا، ثُمَّ ضَرَبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُنُقَه صَبرًا.

وفي رِواية: أنَّ عُقْبةَ قال: تَقتُلُني مِن بَينِ هؤلاء، أي: الأسرى، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَمْ، بما بَصَقتَ في وجهي.

وكان مِمَّن أُسِرَ في غَزوةِ بَدرٍ العَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ عَمُّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولَم يَكُنْ أسلَمَ بَعدُ، فأخَذَ مِنه النَّبيُّ الفِداءَ حَتَّى يُطلَقَ مِنَ الأسرِ، فقال العَبَّاسُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ أخَذَ مِنه الفِداءَ: لَقد تَرَكْتَني فقيرَ قُرَيشٍ ما بَقيتُ، أي: أصبَحتُ فقيرًا لا أملِكُ شيئًا ما حَيِيتُ! فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كَيف تَكونُ فقيرَ قُرَيشٍ وقدِ استَودَعتَ بَنادِقَ الذَّهَبِ أمَّ الفَضلِ؟! والذَّهَبُ البُندُقيُّ: نَوعٌ مِنَ الذَّهَبِ مَنسوبٌ إلى البُندُقيَّةِ مِن مُدُنِ إيطاليا.

والمَعنى: أنَّه استَنكَرَ عليه ادِّعاءَه للفقرِ وهو قد تَرَكَ الذَّهَبَ الكَثيرَ عِندَ زَوجَتِه أمِّ الفضلِ، وقال لَها: إن قُتِلتُ فقد تَرَكتُكِ غَنيَّةً ما بَقِيتِ، أي: بالمالِ الذي تَرَكتُه لَكِ، فلَن تَحتاجي لأحَدٍ.

فقال العَبَّاسُ: أشهَدُ أنَّ الذي تَقولُه قد كان! أي: وقَعَ وحَصَلَ وقد فعَلتُه، وما اطَّلَعَ عليه إلَّا اللَّهُ! وهذا مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حَيثُ أطلَعَه اللَّهُ على ما أخَفاه العَبَّاسُ.

وفي رِوايةٍ: أنَّ العَبَّاسَ قال لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما عِندي ما أفدي به.

فقال النَّبيُّ: فأينَ المالُ الذي دَفَنْتَه أنتَ وأُمُّ الفضلِ، فقُلتَ لَها: إن أُصِبتُ في سَفري هذا فهذا المالُ لبَني الفَضلِ وعَبدِ اللهِ وقُثَمَ؟! فقال العَبَّاسُ: واللهِ إنِّي لأعلَمُ أنَّك رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، واللهِ إنَّ هذا لشَيءٌ ما عَلمَه أحَدٌ غَيري وغَيرُ أمِّ الفَضلِ! وفي الحَديثِ خُطورةُ تَأثيرِ جَليسِ السُّوءِ على صاحِبِه.

وفيه بَيانُ حِلمِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واحتِمالِه للأذى.

وفيه بَيانُ ما اشتَهَرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الصِّدقِ في قَولِه.

وفيه مَشروعيَّةُ القَتلِ صَبرًا لمَن يَستَحِقُّ.

وفيه مَشروعيَّةُ قَتلِ مَن سَبَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه مَشروعيَّةُ مُفاداةِ الأسرى بالمالِ.

وفيه أنَّ مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إخبارَه بالمُغَيَّباتِ .

أحاديث ذات صلة