مَن خلقه اللهُ لواحدةٍ من المَنْزِلَتَيْنِ ، وفَّقَهُ لعملِها
أخرجه الطبراني (557) (18/ 223)، مطولًا وفيه هذا اللفظ، وأحمد (19936)، وابن حبان (6182) مطولًا باختلاف يسير، وأصل الحديث عند مسلم (2650).
الإيمانُ بالقَدَرِ مِن أُصولِ الإيمانِ التي لا يَتِمُّ إيمانُ العَبدِ إلَّا بها، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا سَألَه جِبريلُ عليه السَّلامُ عَنِ الإيمانِ، قال: أن تُؤمِنَ باللهِ ومَلائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه.
وقد جاءَ بَيانُ مَفهومِ الإيمانِ بالقَدَرِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ أتَمَّ البَيانِ، وأنَّه يَتَضَمَّنُ عِلمَ اللهِ وقُدرتَه ومَشيئَتَه وخَلْقَه، وأنَّ اللَّهَ تعالى قد قدَّرَ مَقاديرَ الخَلائِقِ وأعمالَهم وإلى ما هم صائِرونَ إلَيه قَبلَ خَلقِ السَّمَواتِ والأرض، ولَكِنْ على العِبادِ العَمَلُ وامتِثالُ الأوامِرِ واجتِنابُ النَّواهي، وعَدَمُ الاتِّكالِ على القَدَرِ، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن خَلَقَه اللهُ لواحِدةٍ مِنَ المَنزِلَتَينِ، أي: الجَنَّةِ أوِ النَّارِ، وفَّقَه لعَمَلِها، أي: للعَمَلِ الموصِلِ إليها، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له؛ لعِلمِه سُبحانَه بمَن سيَهتَدي ومَن سيَزيغُ، فمَن خَلَقَه اللهُ للسَّعادةِ أقدَرَه على أعمالِها حَتَّى تَكونَ الطَّاعةُ أيسَرَ الأُمورِ عليه، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] ، ومَن خَلَقَه للشَّقاوةِ مَنعَه الألطافَ حَتَّى تَكونَ الطَّاعةُ أعسَرَ شَيءٍ عليه وأشَدَّه، كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، ويَجمَعُ الحالَتَينِ قَولُه جَلَّ جَلالُه: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 4 - 10] .
وفي الحَديثِ إثباتُ خَلقِ اللهِ تعالى لأعمالِ العِبادِ وتَيسيرِهم لَها .